آخر المواضيع

mardi 17 avril 2012

09:19

معالم الفكر الإسلامي الراشد

معالم الفكر الإسلامي الراشد
يتميز منهج الفكر الإسلامي بقدرته على صياغة العقول وملء القلوب وبلورة الشخصيات وتعديل مسار كل من التزم بنهجه الوسطي الرائع الفريد..

ومع تداخل المناهج الفكرية المختلفة وتباين المشارب المتنوعة في هذه الأيام أصبح الفكر الإسلامي الأصيل غريبا أو مستغربا لدى البعض خصوصا وقد كثر الجدل ودار حوله الخلاف..

وقد يكون من اللائق في حديثنا هذا الأسبوع أن نطرح موضوع الفكر الإسلامي وأسسه الأصيلة للتتبع والبيان كما أرشحه للنقاش الجاد والمفتوح من المهتمين ب الحركة الإسلامية عموما..

فالحركة الإسلامية في أمس الحاجة لمبادىء فكرية متفق عليها تحدد لها بوصلتها لتسير من خلال أطرها المرسومة بدقة لها، فتكون لها بمثابة الخطوط العريضة الأساسية التي لا يسع المفكر الإسلامي أن يخرج عن إطارها كما لا يمنع المجتهد والمبتكر أن يحيا بفكره عبر خطوطها الرفيعة ويجتهد في وسائلها المتاحة.

ونحاول هنا أن نعرض تصورا نرجو أن يكون مقبولا لدى المفكرين الإسلاميين حول أهم المعالم والضوابط التي يجب أن تسير خلالها الحركة الفكرية الإسلامية الراشدة

 أولا: الإيمانية:

أعني به هنا أن يكون إطار الإيمان هو الإطار الأكبر الذي يحيط بأساليب التفكير الإسلامي كي يكون راشدا وحتى يؤتي ثماره المأمولة، فالمنهج الإسلامي قائم على الإيمان الراسخ الثابت والعقيدة التوحيدية الشفافة الناصعة والعبودية المخلصة، وهذه الثلاثية هي المحدد الأساسي لصحة التفكير، فكل تفكير يدعو إلى زيادة الإيمان هو في سبيله إلى الصواب وكل تفكير جلب أو سعى إلى قلة الإيمان أو ضعفه أو اثر سلبا في قيمة العبودية أو لم يحفظ جناب التوحيد فقد حاد بعيدا عن مبتغى الإسلام ومطلبه المتفق عليه.

ومن هنا كان لزاما على المفكرين الإسلاميين أن يحيو فكرة الإيمان والعبودية في كتاباتهم وأن يجعلوها قاسما مشتركا في إبداعاتهم الفكرية أيا كان مستواها أو مجالها، فهي السمة العليا التي يتميز بها الفكر الإسلامي عن غيره من الطرق والأساليب الفكرية الأخرى.

لابد إذن من تربية فكرية راسخة قائمة على الإيمان، والإيمان لا يتعارض مع العقل والفكر، بل يبني عليه ويتغذى به، والمؤمنون في نظر القرآن هم " أولوا الألباب " والقرآن آيات " لقوم يعقلون " أو " يتفكرون "

إننا بحاجة إلى تميز في فكرنا الإسلامي من هذه الجهة يتناسب مع هذا الكم الهائل من الأفكار والاجتهادات والابتكارات التي تنهال على الساحة الإسلامية كل ساعة.

والمفكر الذي يهمل الجانب الإيماني من حيز عرضه لآرائه وأفكاره لم يتشبع بعد بنورانية هذه الرسالة العظيمة التي أضاءت للدنيا كل سبيل للفكر والعمل والإنجاز.

وإذا نظرنا للجهة المقابلة وهي جهة حاملي هذه النماذج الفكرية لوجدنا أن إهمالنا لتلك الجوانب سيولد لنا مسوخا مشوهة من العقول التي تتسم بكثرة التفكير والابتكار مع قلة الإيمان والعبودية، فتنكسر مع أول صدمة وتذوب في أول اختبار.

(الإخلاص والمراقبة والمحاسبة والتوكل.. ).. تلك الأسلحة الروحية التي تثبت الأثر الفكري الراشد في قلوب حامليه ونفوسهم، ومن هنا بقيت لنا أفكار المفكرين المسلمين المخلصين حتى الآن منارات على الطريق إذ كانت الربانية هي إطارهم الفكري الأصيل الذي منه انطلقوا لمساحات رحبة من الإبداع والعطاء.

لابد إذن من تربية فكرية راسخة قائمة على الإيمان، والإيمان لا يتعارض مع العقل والفكر، بل يبني عليه ويتغذى به، والمؤمنون في نظر القرآن هم " أولوا الألباب " والقرآن آيات " لقوم يعقلون " أو " يتفكرون "

ثانيا: العلمية:

وأعني بالعلمية كسمة من سمات التفكير الإسلامي الراشد ما يتعلق بصفات العلم الحق، الذي يقوم على الدليل الصحيح والبرهان المتيقن، وتقوم نتائجه على مقدمات صحيحة ثابتة.

فالتفكير الاستراتيجي نوع من التفكير العلمي الذي يجب أن يهتم به المشروع الفكري الإسلامي وأن يعتمده كأسلوب مهم من أساليب توصيفه لمستقبل الحركة الإسلامية في كل مكان على حده.

والتفكير التكتيكي المبني على التخطيط والترتيب والاستعداد نوع آخر من التفكير ينبغي اعتماده وقبوله في مشروعنا الفكري.

والتفكير النقدي التوجيهي نوع ثالث صالح للوقوف على الخلل وإسداء النصائح وبيان السبيل إن التفكير العلمي المأمول هو الذي لا يعتمد على العاطفة كمحرك للسلوك، ولا يقبل الارتجالية في العمل والأداء، ولا بالانفعالية كطارىء غريب يشذ به عن الحكمة والثبات كما إنه لا يعترف بمفاهيم التبرير والغفلة والأثرة والذاتية وغيرها كمفاهيم هدامة لطالما نخرت في جسد الأمة والإسلام منها براء.

لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير قائد يعتمد كل أسلوب ناجح ساعد في بناء الأمة ويشجع كل تفكير إيجابي يبني وينتصر.

وقام أصحابه من بعده رضوان الله عليهم فجمعوا القرآن وحفظوا حدود الدولة الإسلامية وأمنوا ثغورها ونظموا أساليب حكمها ودونوا الدواوين وقسموا العطايا وأقاموا العدل والقسط.

وتعتمد النظرة العلمية في الفكر الإسلامي على المنهج الموضوعي في التعامل مع المواقف والتصرفات بمعنى أنها تزن الحقائق وتقيم المواقف في ظل نظرة عادلة للسلبيات والإيجابيات، كما إنها لا تكتفي بتوصيف الوقائع دون تحليلها بل تأمر بتحليل التصرفات ومعرفة دوافعها وتقييم المواقف الكبيرة والصغيرة ومعرفة دواعيها ومن ثم حسن تقييمها

والعلمية تحتم على المفكر تقدير رأي المخالف واحترام تخصص المتخصص وعدم التعجل في الأحكام والقرارات إلا بعد دراسة متأنية وبحث مستفيض.

ثالثا: الوسطية:

إنها سمة أصيلة في الفكر الإسلامي الراشد مستمدة من النصوص القرآنية ونصوص السنة النبوية المتكاثرة، فأمتنا أمة وسط وديننا دين الوسطية والاعتدال.

والواقعية تحتم على الحركة الإسلامية أن تنظر لأفرادها نظرة تقويمية كل فترة من عمرها، فالموفقون المنجزون هم أفرادها الذين يعتمد عليهم والكسالى الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يراوحوا مضاجعهم ينبغي أن ينتظموا في الصف

 إنها سمة يجب أن تغلب على التفكير الإسلامي للحركة الإسلامية كي تنبذ كل فكر منحرف وكل تفكير مضطرب وترفض كل ذهنية شاردة أو متصلبة أو متطرفة.

ونظرة الإسلام للوسطية تشمل نظرته للحياة والكون ونظرته للمجتمع و الناس ونظرته للأفكار والمناهج.

لقد أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أولئك النفر الذين بالغوا في العبادة واستقالوا عبادته - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم: " إنني أنام وأقوم وأتزوج النساء وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني " الصحيح.

يقول الإمام الذهبي - رحمه الله - تعليقا على بعض الذين شددوا على أنفسهم في دين الله: " ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه، كما قال - تعالى -: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا والطيب، وكـذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله - تعالى - صلى الله عليه وسلم -، ثم العابد العريُّ من العلم متى زهد وتبتل وجاع وخلا بنفسه.... ولج الشيطان في باطنه وخرج، فيعتقد أنه وصل، وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء، ويتذكر ذنوبهم، وينظر إلى نفسه بعين الكمال، وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي وصاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شكٌ وتزلزل إيمانه... وليس ذلك من شريعتنا في شيء، بلى، السلوك، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة، والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالعرف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء وصفات المحمديين أماتنا الله على محبتهم" سير أعلام النبلاء 1289

 ونحن نعلم أنه قد مرت بالحركة الإسلامية فترة سيطر فيها الفكر الإقصائي المتشدد نتيجة لما مر بالمفكرين من ظروف شديدة وما مر بالإسلاميين من ضغوط وآلام متكاثرة ولكننا اليوم ندعو المفكرين من أبناء الإسلام إلى تبني هذا النهج الوسطي في التفكير الإسلامي المعتدل، هذا التفكير المعتدل الذي ينبذ تكفير المجتمعات والمؤسسات، ويدع الحكم على الأشخاص والأفراد للعلماء الراسخين في الشريعة والقضاة الشرعيين المختصين بذلك، هذا التفكير المعتدل الذي يقبل من المجتمع أصل إيمانه بلا إله إلا الله ويحكم عليه بظاهر أعماله ولا ينقب عن بواطنه ويذر دواخله لله - سبحانه -.

هو وسط بين دعاة المذهبية الضيقة واللامذهبية المنفرطة، بين دعاة الانفتاح على العالم بلا ضوابط ودعاة الانفتاح على النفس بلا مبرر، بين المستغرقين في السياسة على حساب التربية والبلاغ، والمهملين لها بدعوى باهته، وسط بين المستعجلين لقطف الثمرة قبل أوانها، والغافلين عنها حتى تسقط في أيدي غيرهم، وسط بين المتجمدين في الأشكال التنظيمة، والمتحللين من أي تعاون مرتب، وسط بين الغلاة في طاعة المربين والمسرفين في تحررهم من كل مشورة مرب، وسط بين المسرفين في التفاؤل والمتجاهلين العوائق، والمسرفين في التشاؤم فلا يرون إلا الظلام ويجب على أصحاب الفكر الإسلامي الراشد أن يراعوا ويقدروا ظروف الناس وما يحيط بهم من مكائد وما يعتورهم من مخططات في كل اتجاه تحيد بهم عن دينهم وتضللهم السبيل وتلهيهم عن عبادة ربهم.

إن الأمة الإسلامية الآن في أمس حاجة إلى داعية يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس ويريد لهم الخير والنصح، فهو لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض؛ لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة وهو يعلم أن إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم، فعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله ? يقول: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) أخرجه مسلم

رابعا: الواقعية:

من أهم سمات الفكر الإسلامي الراشد أن يكون واقعيا، وتعني الواقعية هنا بعض النقاط الهامة منها:

1- أن ينطلق من المقدور عليه ومن المتاح له ابتداء، وألا يسبح في خيالات غير مقدورة يريد أن ينطلق منها وهو لا يزال في موضعه لم يتعداه، وأذكر هنا ما يكون من بعض التجمعات التي تضع لنفسها أهدافا بعيدة المنال صعبة التحقيق شديدة الوعورة في الطريق إليها، وهؤلاء قد خالفوا الواقعية في التفكير، مما يصيبهم بعد فترة من اليأس والخذلان والانكسار، ولو أنهم وضعوا لأنفسهم أهدافا مرحلية متقاربة مقدورا عليها الواحد تلو الآخر حتى يصلوا لما يريدون لبثوا في أفرادهم الأمل ولاجتازوا داء الفتور.

2- أن تقدر الحركة الإسلامية قدراتها بأسلوب واقعي دقيق فلا تبالغ في تصور قدرتها ولا تستهين بفاعلية أفرادها، فهي تضع لهم برنامجهم بعد معرفة طاقاتهم بدقة ومن ثم فهي توظف كل الطاقات ولا تهمل أحدا وتضع الرجل المناسب في مكانه ولا تغتر باسم مشهور ولا بحديث معسول ولا بولاء ظاهر وإنما تقدر الإمكانيات بتجرد كامل وواقعية حقيقية.

3- والواقعية تحتم على الحركة الإسلامية أن تنظر لأفرادها نظرة تقويمية كل فترة من عمرها، فالموفقون المنجزون هم أفرادها الذين يعتمد عليهم والكسالى الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يراوحوا مضاجعهم ينبغي أن ينتظموا في الصف، وأعتب هنا على بعض التجمعات التي قد اتخذ بعض أفرادها مقام القيادة والمسئولية متكأ فهم على أنفاسها كاتمين لعقود من الزمان وهم لم تتقدم بهم دعوتهم إلى الأمام بل تراجعت إلى الخلف، فواجب هنا على هؤلاء الفاشلين أن يوسعوا الطريق لأصحاب الهمم العالية وأن يطهروا قلوبهم من الأثرة فإن الدعوة إلى الله ليست ميراثا ولا تراثا.

4- كذلك فإن من واقعية الفكر أن يدعو إلى أن يقود العمل أصحاب السلوك الرباني الإيماني القويم، فلا يتصدر قليلوا العلم ولا قليلوا الخبرة، وإنما من يجمع بين الربانية والإيمانية والعلم والخبرة والإنجاز.

5- والفكر الواقعي هو الفكر البعيد عن العواطف والذي لا يتأثر بالحماسة المؤقتة، ولا يضع أذنية مستمعا لكل صارخ، بل ينطلق في كل خطواته من خرائط مرسومة وخطط دقيقة موسومة.

وأخيرا فإن مسيرة الفكر الإسلامي الرشيدة لفي حاجة ملحة لكل جهد علمي فكري مخلص يؤكد على ثوابتها ويعين سبيل التعامل مع متغيراتها ويصوب أخطاءها ويشخص المرض ويصف الدواء.
09:17

العقل نعمة إلهية والتفكير فريضة إسلامية

العقل نعمة إلهية والتفكير فريضة إسلامية
يتميز منهج الفكر الإسلامي بقدرته على صياغة العقول وملء القلوب وبلورة الشخصيات وتعديل مسار كل من التزم بنهجه الوسطي الرائع الفريد..

ومع تداخل المناهج الفكرية المختلفة وتباين المشارب المتنوعة في هذه الأيام أصبح الفكر الإسلامي الأصيل غريبا أو مستغربا لدى البعض خصوصا وقد كثر الجدل ودار حوله الخلاف..

وقد يكون من اللائق في حديثنا هذا الأسبوع أن نطرح موضوع الفكر الإسلامي وأسسه الأصيلة للتتبع والبيان كما أرشحه للنقاش الجاد والمفتوح من المهتمين ب الحركة الإسلامية عموما..

فالحركة الإسلامية في أمس الحاجة لمبادىء فكرية متفق عليها تحدد لها بوصلتها لتسير من خلال أطرها المرسومة بدقة لها، فتكون لها بمثابة الخطوط العريضة الأساسية التي لا يسع المفكر الإسلامي أن يخرج عن إطارها كما لا يمنع المجتهد والمبتكر أن يحيا بفكره عبر خطوطها الرفيعة ويجتهد في وسائلها المتاحة.

ونحاول هنا أن نعرض تصورا نرجو أن يكون مقبولا لدى المفكرين الإسلاميين حول أهم المعالم والضوابط التي يجب أن تسير خلالها الحركة الفكرية الإسلامية الراشدة

 أولا: الإيمانية:

أعني به هنا أن يكون إطار الإيمان هو الإطار الأكبر الذي يحيط بأساليب التفكير الإسلامي كي يكون راشدا وحتى يؤتي ثماره المأمولة، فالمنهج الإسلامي قائم على الإيمان الراسخ الثابت والعقيدة التوحيدية الشفافة الناصعة والعبودية المخلصة، وهذه الثلاثية هي المحدد الأساسي لصحة التفكير، فكل تفكير يدعو إلى زيادة الإيمان هو في سبيله إلى الصواب وكل تفكير جلب أو سعى إلى قلة الإيمان أو ضعفه أو اثر سلبا في قيمة العبودية أو لم يحفظ جناب التوحيد فقد حاد بعيدا عن مبتغى الإسلام ومطلبه المتفق عليه.

ومن هنا كان لزاما على المفكرين الإسلاميين أن يحيو فكرة الإيمان والعبودية في كتاباتهم وأن يجعلوها قاسما مشتركا في إبداعاتهم الفكرية أيا كان مستواها أو مجالها، فهي السمة العليا التي يتميز بها الفكر الإسلامي عن غيره من الطرق والأساليب الفكرية الأخرى.

لابد إذن من تربية فكرية راسخة قائمة على الإيمان، والإيمان لا يتعارض مع العقل والفكر، بل يبني عليه ويتغذى به، والمؤمنون في نظر القرآن هم " أولوا الألباب " والقرآن آيات " لقوم يعقلون " أو " يتفكرون "

إننا بحاجة إلى تميز في فكرنا الإسلامي من هذه الجهة يتناسب مع هذا الكم الهائل من الأفكار والاجتهادات والابتكارات التي تنهال على الساحة الإسلامية كل ساعة.

والمفكر الذي يهمل الجانب الإيماني من حيز عرضه لآرائه وأفكاره لم يتشبع بعد بنورانية هذه الرسالة العظيمة التي أضاءت للدنيا كل سبيل للفكر والعمل والإنجاز.

وإذا نظرنا للجهة المقابلة وهي جهة حاملي هذه النماذج الفكرية لوجدنا أن إهمالنا لتلك الجوانب سيولد لنا مسوخا مشوهة من العقول التي تتسم بكثرة التفكير والابتكار مع قلة الإيمان والعبودية، فتنكسر مع أول صدمة وتذوب في أول اختبار.

(الإخلاص والمراقبة والمحاسبة والتوكل.. ).. تلك الأسلحة الروحية التي تثبت الأثر الفكري الراشد في قلوب حامليه ونفوسهم، ومن هنا بقيت لنا أفكار المفكرين المسلمين المخلصين حتى الآن منارات على الطريق إذ كانت الربانية هي إطارهم الفكري الأصيل الذي منه انطلقوا لمساحات رحبة من الإبداع والعطاء.

لابد إذن من تربية فكرية راسخة قائمة على الإيمان، والإيمان لا يتعارض مع العقل والفكر، بل يبني عليه ويتغذى به، والمؤمنون في نظر القرآن هم " أولوا الألباب " والقرآن آيات " لقوم يعقلون " أو " يتفكرون "

ثانيا: العلمية:

وأعني بالعلمية كسمة من سمات التفكير الإسلامي الراشد ما يتعلق بصفات العلم الحق، الذي يقوم على الدليل الصحيح والبرهان المتيقن، وتقوم نتائجه على مقدمات صحيحة ثابتة.

فالتفكير الاستراتيجي نوع من التفكير العلمي الذي يجب أن يهتم به المشروع الفكري الإسلامي وأن يعتمده كأسلوب مهم من أساليب توصيفه لمستقبل الحركة الإسلامية في كل مكان على حده.

والتفكير التكتيكي المبني على التخطيط والترتيب والاستعداد نوع آخر من التفكير ينبغي اعتماده وقبوله في مشروعنا الفكري.

والتفكير النقدي التوجيهي نوع ثالث صالح للوقوف على الخلل وإسداء النصائح وبيان السبيل إن التفكير العلمي المأمول هو الذي لا يعتمد على العاطفة كمحرك للسلوك، ولا يقبل الارتجالية في العمل والأداء، ولا بالانفعالية كطارىء غريب يشذ به عن الحكمة والثبات كما إنه لا يعترف بمفاهيم التبرير والغفلة والأثرة والذاتية وغيرها كمفاهيم هدامة لطالما نخرت في جسد الأمة والإسلام منها براء.

لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير قائد يعتمد كل أسلوب ناجح ساعد في بناء الأمة ويشجع كل تفكير إيجابي يبني وينتصر.

وقام أصحابه من بعده رضوان الله عليهم فجمعوا القرآن وحفظوا حدود الدولة الإسلامية وأمنوا ثغورها ونظموا أساليب حكمها ودونوا الدواوين وقسموا العطايا وأقاموا العدل والقسط.

وتعتمد النظرة العلمية في الفكر الإسلامي على المنهج الموضوعي في التعامل مع المواقف والتصرفات بمعنى أنها تزن الحقائق وتقيم المواقف في ظل نظرة عادلة للسلبيات والإيجابيات، كما إنها لا تكتفي بتوصيف الوقائع دون تحليلها بل تأمر بتحليل التصرفات ومعرفة دوافعها وتقييم المواقف الكبيرة والصغيرة ومعرفة دواعيها ومن ثم حسن تقييمها

والعلمية تحتم على المفكر تقدير رأي المخالف واحترام تخصص المتخصص وعدم التعجل في الأحكام والقرارات إلا بعد دراسة متأنية وبحث مستفيض.

ثالثا: الوسطية:

إنها سمة أصيلة في الفكر الإسلامي الراشد مستمدة من النصوص القرآنية ونصوص السنة النبوية المتكاثرة، فأمتنا أمة وسط وديننا دين الوسطية والاعتدال.

والواقعية تحتم على الحركة الإسلامية أن تنظر لأفرادها نظرة تقويمية كل فترة من عمرها، فالموفقون المنجزون هم أفرادها الذين يعتمد عليهم والكسالى الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يراوحوا مضاجعهم ينبغي أن ينتظموا في الصف

 إنها سمة يجب أن تغلب على التفكير الإسلامي للحركة الإسلامية كي تنبذ كل فكر منحرف وكل تفكير مضطرب وترفض كل ذهنية شاردة أو متصلبة أو متطرفة.

ونظرة الإسلام للوسطية تشمل نظرته للحياة والكون ونظرته للمجتمع و الناس ونظرته للأفكار والمناهج.

لقد أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أولئك النفر الذين بالغوا في العبادة واستقالوا عبادته - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم: " إنني أنام وأقوم وأتزوج النساء وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني " الصحيح.

يقول الإمام الذهبي - رحمه الله - تعليقا على بعض الذين شددوا على أنفسهم في دين الله: " ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه، كما قال - تعالى -: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا والطيب، وكـذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله - تعالى - صلى الله عليه وسلم -، ثم العابد العريُّ من العلم متى زهد وتبتل وجاع وخلا بنفسه.... ولج الشيطان في باطنه وخرج، فيعتقد أنه وصل، وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء، ويتذكر ذنوبهم، وينظر إلى نفسه بعين الكمال، وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي وصاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شكٌ وتزلزل إيمانه... وليس ذلك من شريعتنا في شيء، بلى، السلوك، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة، والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالعرف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء وصفات المحمديين أماتنا الله على محبتهم" سير أعلام النبلاء 1289

 ونحن نعلم أنه قد مرت بالحركة الإسلامية فترة سيطر فيها الفكر الإقصائي المتشدد نتيجة لما مر بالمفكرين من ظروف شديدة وما مر بالإسلاميين من ضغوط وآلام متكاثرة ولكننا اليوم ندعو المفكرين من أبناء الإسلام إلى تبني هذا النهج الوسطي في التفكير الإسلامي المعتدل، هذا التفكير المعتدل الذي ينبذ تكفير المجتمعات والمؤسسات، ويدع الحكم على الأشخاص والأفراد للعلماء الراسخين في الشريعة والقضاة الشرعيين المختصين بذلك، هذا التفكير المعتدل الذي يقبل من المجتمع أصل إيمانه بلا إله إلا الله ويحكم عليه بظاهر أعماله ولا ينقب عن بواطنه ويذر دواخله لله - سبحانه -.

هو وسط بين دعاة المذهبية الضيقة واللامذهبية المنفرطة، بين دعاة الانفتاح على العالم بلا ضوابط ودعاة الانفتاح على النفس بلا مبرر، بين المستغرقين في السياسة على حساب التربية والبلاغ، والمهملين لها بدعوى باهته، وسط بين المستعجلين لقطف الثمرة قبل أوانها، والغافلين عنها حتى تسقط في أيدي غيرهم، وسط بين المتجمدين في الأشكال التنظيمة، والمتحللين من أي تعاون مرتب، وسط بين الغلاة في طاعة المربين والمسرفين في تحررهم من كل مشورة مرب، وسط بين المسرفين في التفاؤل والمتجاهلين العوائق، والمسرفين في التشاؤم فلا يرون إلا الظلام ويجب على أصحاب الفكر الإسلامي الراشد أن يراعوا ويقدروا ظروف الناس وما يحيط بهم من مكائد وما يعتورهم من مخططات في كل اتجاه تحيد بهم عن دينهم وتضللهم السبيل وتلهيهم عن عبادة ربهم.

إن الأمة الإسلامية الآن في أمس حاجة إلى داعية يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس ويريد لهم الخير والنصح، فهو لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض؛ لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة وهو يعلم أن إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم، فعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله ? يقول: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) أخرجه مسلم

رابعا: الواقعية:

من أهم سمات الفكر الإسلامي الراشد أن يكون واقعيا، وتعني الواقعية هنا بعض النقاط الهامة منها:

1- أن ينطلق من المقدور عليه ومن المتاح له ابتداء، وألا يسبح في خيالات غير مقدورة يريد أن ينطلق منها وهو لا يزال في موضعه لم يتعداه، وأذكر هنا ما يكون من بعض التجمعات التي تضع لنفسها أهدافا بعيدة المنال صعبة التحقيق شديدة الوعورة في الطريق إليها، وهؤلاء قد خالفوا الواقعية في التفكير، مما يصيبهم بعد فترة من اليأس والخذلان والانكسار، ولو أنهم وضعوا لأنفسهم أهدافا مرحلية متقاربة مقدورا عليها الواحد تلو الآخر حتى يصلوا لما يريدون لبثوا في أفرادهم الأمل ولاجتازوا داء الفتور.

2- أن تقدر الحركة الإسلامية قدراتها بأسلوب واقعي دقيق فلا تبالغ في تصور قدرتها ولا تستهين بفاعلية أفرادها، فهي تضع لهم برنامجهم بعد معرفة طاقاتهم بدقة ومن ثم فهي توظف كل الطاقات ولا تهمل أحدا وتضع الرجل المناسب في مكانه ولا تغتر باسم مشهور ولا بحديث معسول ولا بولاء ظاهر وإنما تقدر الإمكانيات بتجرد كامل وواقعية حقيقية.

3- والواقعية تحتم على الحركة الإسلامية أن تنظر لأفرادها نظرة تقويمية كل فترة من عمرها، فالموفقون المنجزون هم أفرادها الذين يعتمد عليهم والكسالى الذين لم يبرحوا أماكنهم ولم يراوحوا مضاجعهم ينبغي أن ينتظموا في الصف، وأعتب هنا على بعض التجمعات التي قد اتخذ بعض أفرادها مقام القيادة والمسئولية متكأ فهم على أنفاسها كاتمين لعقود من الزمان وهم لم تتقدم بهم دعوتهم إلى الأمام بل تراجعت إلى الخلف، فواجب هنا على هؤلاء الفاشلين أن يوسعوا الطريق لأصحاب الهمم العالية وأن يطهروا قلوبهم من الأثرة فإن الدعوة إلى الله ليست ميراثا ولا تراثا.

4- كذلك فإن من واقعية الفكر أن يدعو إلى أن يقود العمل أصحاب السلوك الرباني الإيماني القويم، فلا يتصدر قليلوا العلم ولا قليلوا الخبرة، وإنما من يجمع بين الربانية والإيمانية والعلم والخبرة والإنجاز.

5- والفكر الواقعي هو الفكر البعيد عن العواطف والذي لا يتأثر بالحماسة المؤقتة، ولا يضع أذنية مستمعا لكل صارخ، بل ينطلق في كل خطواته من خرائط مرسومة وخطط دقيقة موسومة.

وأخيرا فإن مسيرة الفكر الإسلامي الرشيدة لفي حاجة ملحة لكل جهد علمي فكري مخلص يؤكد على ثوابتها ويعين سبيل التعامل مع متغيراتها ويصوب أخطاءها ويشخص المرض ويصف الدواء.
09:15

العقل نعمة إلهية والتفكير فريضة إسلامية

العقل نعمة إلهية والتفكير فريضة إسلامية
في البداية علينا أن نفرق بين المخ و العقل، المخ عضو بدني يوجد في الكائنات الحية بدءا من طائفة الحشرات إلى طائفة الثدييات والإنسان، وهو في كل هذه الطوائف تركيب خلوي مادي يتكون من العقد والخلايا العصبية في تباين واضح بين الأجناس الحية.
أما العقل فهو ملكة الإدراك والتفكير والإبداع وقد اختلف العلماء في ماهيته ومكانه اختلافاً لا يتسع المقام للخوض فيه.

ويعتبر التفكير والإبداع أعلى مراتب الإدراك للعقل وقد ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل المدرك والمميز والواعي والمبدع والمفكر والخلاق، والمخ نعمة إلهية أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الكائنات الحية، والتفكير نعمة أنعم الله بها على كثير من بني البشر وسلبها من بعضهم.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى العقل مناط التكليف، فمن فقد عقله بالنوم أو المرض أو الإغماء أو بالصغر سقط عنه التكليف ورفع عنه القلم.
وقد حشد القرآن الكريم عشرات الآيات القرآنية الداعية إلى استعمال العقل والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية، وآيات الله القرآنية، وعلم الله سبحانه وتعالى أن للعقل البشري حدودا لا يستطيع أن يتخطاها , لذلك أرسل إليه الأنبياء والرسل لإخباره بما يعجز عقله البشري وحواسه البدنية ، وتعجز كل المخترعات عن الوصول إليها، فأرسل إليه الأنبياء والرسل لتخبره بها , فأعلمه بالجنة، والنار، والملائكة، وصفات الله وأسمائه والبعث والحساب ونعيم القبر وعذابه.
وجعل الله سبحانه وتعالى التفكير فريضة إسلامية فقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190) (آل عمران/190).
وأولو الألباب هم العقلاء حقا فهم كما قال تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ {191}) (آل عمران/191) تفكر علم وبحث ودراية واستكشاف وتقص، فيكون الاستنتاج العام لبحثهم وتفكرهم قولهم: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ) (آل عمران/191).

وجاءت هذه النتيجة لما توصلوا إليه من إحكام في الخلق وإعجاز وإبداع ويقين , فيطلبون من الله تعالى بعد ذلك قائلين (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/191) طلب يقين أن الجنة حق ,والبعث حق ,والحساب حق ,والميزان حق.


إن في خلق هذه النحلة مئات الآيات الدالة على وجود خالق خبير عليم مبدع

وعندما نزل قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{164}) (البقرة/164)، عندما نزلت هذه الآية حذرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من عدم التفكر فيها، فويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها تفكر الباحث العالم الذي يصل إلى أهمية اختلاف الليل والنهار لاستمرار الحياة على الأرض، وإزهار النبات، وتكاثر الحيوان ونموه، ويبحث عن كيف يحيي الله الأرض بالماء فتنتشر فيها الكائنات الحية الفطرية والبكتيرية والفيروسية والحيوانية والنباتية، ويدرس التنوع الحيوي للكائنات الحية في الأرض وما بث الله فيها من كل دابة , وسخر الرياح لتلقيح النبات ولحمل الطير و السحاب والمطر في دورة المياه ورفعه وإنزاله، كلها ظواهر كونية من لم يتفكر فيها غضب الله عليه لتعطيل نعمة التفكير والكفران بها، فالتفكير فيها فريضة إسلامية، وقد أدرك الأستاذ محمود عباس العقاد رحمه الله هذه الحقيقة الإسلامية فأعد بحثه التفكير فريضة إسلامية وقدمه للمؤتمر الإسلامي في ستينيات القرن العشرين الميلادي، ونشر في كتاب بواسطة دار العلم بالقاهرة قال فيه:
( القرآن لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه، ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة، بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة).

إن المتأمل في المملكة النباتية يشاهد ملايين الأدلة والآيات على وجود خالق عالم خبير أبدعها في أحسن خلقة فسبحان الله

ثم قال العقاد رحمه الله: ( فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور والمنكر، ومن هنا كان اشتقاقه من مادة (عقل) التي يؤخذ منها العقال).
ثم قال العقاد رحمه الله: (وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضا مقتضبا بل يذكره مقصودا مفصلا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان) (انتهى – ص 8).
ثم قال رحمه الله: ( وقد بدأ الإسلام التحذير الشامل من هذا الفساد (فساد الكهان والرهبان ورجال الدين) فأسقط الكهانة، وأبطل سلطان رجال الدين على الضمائر ونفى عنهم القدرة على التحريم والتحليل والإدانة والغفران).
ثم نبه رحمه الله إلى سيئاتهم وعاقبة من استسلموا لخديعتهم وكثير منهم خادعون (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{31}) (التوبة/31) – انتهى (ص/29).
وقال رحمه الله: (وصفوة القول أن الإسلام لا يعذر العقل الذي ينزل عن حق الإنسان رهبة للقوة أو استسلاما للخديعة، ولا حدود لذلك إلا حدود الطاقة البشرية ولكنها الطاقة البشرية عامة كما تقوم بها الأمم ولا ينتهي أمرها بما يكون للفرد من طاقة لا تتعداه) (المرجع السابق ص/33).
وقد علم فقهاء المسلمين أهمية العقل والتفكير فعقد الإمام أبو حنيفة رحمه الله جلسات للعصف الذهني مع طلابه لإقداح الذهن للتفكير والإبداع وإنشاء الحلول الأصيلة.
وألف الإمام ابن تيمية رحمه الله كتاب (صريح المعقول وصحيح المنقول) أو (درء تناقض العقل و الشرع) ويكفي الإسلام احتراما للعقل أن يسقط التكليف عن الإنسان بذهاب عقله وغيابه وتعطيله بالنوم وغيره.
فإذا المتشدقين بالعقلانية، واتهام الإسلام بالتناقض مع العقل لو درسوا الإسلام و آيات التفكير والعقل في القرآن الكريم لتعلموا أنه لا تعارض بين صريح المعقول وصحيح المنقول، وأن التفكير فريضة إسلامية كما ورد في الآيات القرآنية.
المصدر: إعداد الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى أستاذ علوم النبات في جامعة عين شمس سابقاً
09:13

خصائص التفكير المنهجي في الإسلام

خصائص التفكير المنهجي في الإسلام

I - أسس ودعامات منهج التفكير في الإسلام

ا- مفهوم المنهج لغة واصطلاحا

المنهج لغة : هو الطريق المستقيم الواضح الذي يوصل إلى الغاية بسهولة ويسر.

واصطلاحا: هو مجموع القواعد العامة والخطوات والقوانين المنظمة التي تحكم عمليات العقل خلال البحث والنظر في مجال معين.

ب- أسس ودعامات منهجية التفكير في الإسلام

1- وحدانية الخالق : في الذات والصفات والفعل قال تعالى في سورة الشورى« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) » فاستقامة العقل المسلم تكمن في إيمانه بوحدانية الله كأساس مسلم وبديهي غير قابل للنقاش .وانطلاقا من هذه الحقيقة يتشكل الفكر الإسلامي الصحيح ،ويتميز عن غيره من المنظومات الأخرى . وتكون المعرفة الناتجة عنه معرفة إسلامية .

2- استخلاف الإنسان في الكون : خلافة رعاية وإعمار وتسخير ،وهي مسؤولية مناطها حرية الإرادة والقرار، وقدرة مكتسبة من الوعي والتعلم

3- الحرية : والتي عليها تتأسس منهجية التفكير الإسلامي دون حتم أو إطلاق ،فالحرية قرينة الحياة، ومفهوم حرية الإرادة الإنسانية مركزي ،ينطوي على ثلاثة أبعاد لا يستقيم فهم منهجية التفكير الإسلامي بدونها                                                                 

أ- بعد حرية العقيدة : قال تعالى «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » سورة البقرة. وقال « وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» سورة الكهف فالحرية في الاختيار حق وموقف ومسؤولية         

- بعد حرية الفكر : وهو مكمل للحق الأول ومتفرع عنه، ومرتبط بالقناعة الأخلاقية للفرد.                            

 ج- بعد حرية الأداء الاجتماعي : وعلى هذا الأساس يجب أن يتم وفق منهج يتكامل فيه أداء الفرد ويتفاعل مع أداء الجماعة كما و نوعا، لتحقيق غاياتهم في الحياة

4- السببية وفاعلية الإنسان : فالنظر في المسببات طريق إسلامي لمعرفة السبب الموجد لها ،ووظيفة المسلم اكتشاف الأسباب والسنن الجارية وامتلاكها ،لتغيير الواقع وإقامة المنشود .

5 – وحدة الأمة والدين   وهذا الأساس أو الرابط ألغى كل الفوارق الطبقية والعرقية، وحرر العقول من كل الأساطير والفلسفات الحائرة والعادات والتقاليد المحكمة ،وبذلك ينفتح العقل على الكون وعلى الفكر الإنساني ككل بنظر فاحص وناقد، فينتج فكرا منيرا وعلما نفعا وعملا صالحا .



II- مصادر التفكير المنهجي في الإسلام



1-      الحس هو المصدر الأول للمعرفة البشرية :   

 قال تعالى « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »النحل الآية:(78)  فالحس هو مبدأ المعرفة ،ومنه يتدرج الإنسان إلى المعرفة العقلية التي توصل إلى وجود الخالق سبحانه ثم الإيمان به، فيصبح ذلك منطلق التفكير والفهم والقيام بمختلف الأنشطة على هذا الأساس. وهناك الوحي مصدر المعرفة والتوجيه : فالإسلام لم يقف عند الحواس فقط كطريق للمعرفة والوعي. لأن العقل البشري مهما بلغ يبقى ناقصا وقدرته محدودة وخاصة في مجال الغيبيات.                        

 « فالتفكير الإسلامي يتميز بالتوازن في مصادره فهو يستمد من وراء الغيب المحجوب ومن صفحة الكون المشهود ».    

2-      العقل ( الاستقراء والقياس والتجريب ):                

 فالعقل مصدر علم الشهادة ،والوحي مصدر علم الكليات وعالم الغيب ،وهما يتكاملان فيما بينهما دون تناقض أو اضطراب. فالعقل له وظيفته ودوره والوحي كذلك فهو يرشد ويوجه العقل حتى لايتيه ويضيع فيما ليس من اختصاصه ومجاله.

3-      الكون : ( آيات الأنفس والآفاق ) :               

 قال تعالى في سورة الأعراف : « أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ...». فالمنهج الإسلامي يوجه الفكر للنظر والتأمل فيما حوله مما خلق الله للدراسة والفهم والتعلم والتعليم كل ذلك وفق شرع الله سبحانه.



                   III- خصائص منهج التفكير الإسلامي

  1) التعدد والتنوع والشمولية : تقتضيه شمولية الإسلام للدنيا والآخرة، للوحي والعقل .فالإسلام يحث العقل المسلم على بذل جهده للوصول إلى اليقين .ويعيب على أهل الظن قال تعالى:« وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)» سورة النجم

        2) وحدة المعرفة : التي تربط بين أجزاء الوجود الكوني رغم اختلافها في كل واحد.

3) تكامل عالمي الغيب والشهادة : فالعقل والنقل في منهج التفكير الإسلامي متجاوران ،وكل واحد يخوض في مجاله ،فالعقل مجاله العلم الظاهر ، والوحي مجاله العلم الباطن و الغيب الذي هو من خصائصه سبحانه .

4) العقلانية : فقيمة العقل في الإسلام تقوم على أسس :                  

 - القدرة على اكتشاف العالم الخارجي المتطابق مع الواقع .              

- القدرة على الربط والتحليل والاستنتاج للوصول إلى معرفة الله .             

- كونه جزءا من عالم الطبيعة وتحكمه قوانينها ، وله حدود ومجالات لا يتجاوزها كالخوض في الغيبيات التي لا يمكنه إدراكها .



5) الوسطية والاعتدال : فالحضارة الإسلامية عبر تاريخها لم تعرف تناقضا بين الروح والجسد أو بين الدنيا والآخرة أو بين الدين والدولة أو بين الدين والعلم ....الخ كما حصل في بعض الحضارات الأخرى.

6) التجديد : والذي يعتبر السبيل لاستمرار الدين وامتداد تأثيره ،ويكون بتجديد للأصول بإزالة ما علق بها من شوائب وآثار سلبية. وللفروع والنوازل المستجدة الناجمة عن تغير أنماط العيش عبر الأزمنة والأمكنة من مؤهل لذلك.



7) الانفتاح والهيمنة : كما حدث في القرنين الثالث والرابع الهجريين حيث ترجم المسلمون كثيرا من المؤلفات الأجنبية المختلفة للاستفادة من منافعها ،واستبعاد كل ما فيه ضرر أو إحداث بلبلة .

8) احتمالية المعرفة الطبيعية : حيث اعتبر كثير من علماء المسلمين وعلى رأسهم «جابر ابن حيان» أن التجربة أساس مهم في دراسة العلوم الطبيعية والكيميائية ،ولكنها لا تضمن اليقين المطلق..

9) الاستناد إلى القيم والمعايير الأخلاقية : حيث نجد أن الشرع الحكيم اشترط الاستقامة والتزام المسؤولية لسلامة العقل و يقظته ليتوجه إلى جلب النفع ودفع الضرر لتحقيق مصالح الناس في دينهم  و حياتهم .

09:12

بين التفكير بالإسلام والتفكير فيه

تنصرف أذهاننا بمجرد الحديث عن التفكير الإسلامي، إلى التفكير بالإسلام، ولا تهتمّ إلا قليلا بالجهة الأخرى للتفكير الإسلامي، ألا وهي التفكير في الإسلام.

إن الفكرة الإسلامية بما تتّسم به من معقولية لم تأل جهدا في أن تدعو الموالين والمخالفين إلى أن يتفكروا فيها قبل أن بتفكروا بها، أي إلى أن يكونوا واعين بها كلّ الوعي، مدركين لأبعادها ودلالاتها، متصوّرين لما يحفّ بها من محاذير قد تتولّد على ضفافها نتيجة للتعجّل في الحكم، أو للتأويل البعيد، أو للفهم السطحي الذي لا ينفذ إلى أعماق ما أراد الشارع، بل يقف فقط عند ظاهر ما قال… ومن هنا أُعطيت المشروعية للاختلاف كأداة طبيعية بل وضرورية لإدراك الحق الذي لا ينقدح في كثير من الأحيان إلا بالمجادلة ومقارعة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة حتّى ينقدح الحقّ من بينها.

إنّ أساس التفكير الإسلامي:
- التفكير بالإسلام،
- والتفكير في الإسلام.

فأمّا التفكير بالإسلام فهو ذلك التفكير الذي ينطلق من القواسم المشتركة داخل المجتمع الإسلامي، ويحتكم إلى القيم الأساسية للمجتمع، تلك التي تضفي الخصوصية عليه، وتمثل في مجموعها مرجعية كبرى تصبغ كل المنتمين إلى المجتمع بصبغتها… ولا يفوتني التأكيد على أنّها:

- خصوصية راشدة ومتفتّحة يكون فيها الاختلاف مدعاة للتعاون وتبادل الخبرات والتجارب مصداقا لقوله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (الحجرات: 13).

- خصوصية لا تقوم على السيطرة وعلى الهيمنة فـ"الإسلام يدين روح التدمير وروح السيطرة: "تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا" (القصص: 83)، بل إنّه لا يريد فرض "إيديولوجية عالمية" : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99)… إنّه بموجب أمر إلهي سيظل الخلاف قائما بين الناس : "ولَوْ شَاءَ رَبُّك لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ولاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذّلِكَ خَلَقَهُمْ" (هود: 118-119)[1]

* قال ابن الجوزيّ: "قوله تعالى "أفأنت تكره الناس"، قال المفسرون منهم مقاتل هذا منسوخ بآية السيف، والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ، لأن الإكراه على الإيمان لا يصح لأنه عمل القلب".[2]

قال الطبري: "دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكُّم والتَّحَكُّم لا يَعْجز عنه أحد."[3]

وفي قوله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256)، قال الزمخشري: "أي لم يُجر الله أمرَ الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على التّمكين والاختيار".[4]

- خصوصية لا تقوم على المعاداة المبدئية لمن خالفني في الدّين أو في التفكير، قال تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "* (البقرة: 190)

* قال فيها الطبري نقلا عن ابن عباس: "لا تقْتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى السلم وكفَّ يدَه فإن فعلتم هذا فقد اعتدَيْتم…"[5]

وفي القول بنسخ الآية رأيان، وقد رجّح الطبري القول بعدم النسخ قائلا: "وأولى هذين القولين بالصواب القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكُّم والتَّحَكُّم لا يَعْجز عنه أحد."[6]

وقال القرطبي: "أحكام الله عز وجل لا يُقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول".[7]

- خصوصية تُعرب عن نفسها بأحسن الطرق وأكثرها سماحة، قال تعالى: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (العنكبوت: 46)

* روى الطبريّ قال: "قال ابن زيد في قول الله عز وجل "لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ" (الشورى: 15): لا خصومة بيننا وبينكم، وقرأ "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" إلى آخر الآية".[8]

قال القرطبيّ: "اختلف العلماء في قوله تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب"
فقال مجاهد: "هي مُحْكَمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة.."
وقول مجاهد حسن لأن أحكام الله عز وجل لا يُقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول".[9]

- خصوصية تتوخّى في كلّ مرة، ومع الناس أجمعين أحكم الطرق وأحسنها للتعبير عن ذاتها، قال تعالى: "وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54)" (الإسراء: 53-54)
* "قال ابن عطية: ويلزم على هذا أن يكون قوله "لعبادي" يريد به جميع الخلق لأن جميعهم مدعو إلى لا إله إلاّ الله…

وقال الزمخشري: فسر "التي هي أحسن" بقوله: "ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم" يعني يقول لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم أنكم من أهل النار وأنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر. وقوله: "إن الشيطان ينزغ بينهم" اعتراض بمعنى يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم على بعض ليقع بينهم المشارّة والمشاقة.

وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه: إذا أردتم الحجة على المخالف فاذكروها بالطريق الأحسن وهو أن لا يخلط بالسب كقوله: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن" "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن" وخلط الحجة بالسبّ سبب للمقابلة بمثله، وتنفير عن حصول المقصود من إظهار الحجة وتأثيرها، ثم نبه على هذا الطريق بقوله: "إن الشيطان ينزغ بينهم" جامعاً للفريقين أي متى امتزجت الحجة بالإيذاء كانت الفتنة.[10]

إن ما يُميّز التفكير الإسلامي أنّه تفكير يسع الناس أجمعين، ويُعطيهم الشعور بالأمن على أنفسهم حتى ولو كانوا مخالفين، وهو ما أنطق المنصفين من المخالفين ليعبروا عن إعجابهم بمواقف المسلمين من ذلك ما قاله الهنديّ "أمارتيا صن":
"من أهمّ الشّارحين والممارسين لمعنى التّسامح مع التنوع في الهند، الإمبراطور المغولي العظيم "أكبر"[11]، الذي حكم ما بين عامي 1556 و1606، وقبل حقوق الإنسان بأنواعها المختلفة، بما في ذلك حرية الملكية وحرية الممارسة الدينية، وهي حريات لم يكن يسيرا التسامح معها في أوروبا في زمن "أكبر". نذكر على سبيل المثال أنّه بحلول عام 1000 هجرية، أو 1591-1592 ميلاديّة، أصدر "أكبر" قوانين عدّة مع حلول هذا المنعطف التاريخي، وركّزت هذه القوانين، من بين أمور أخرى، على التسامح الديني، بما في ذلك ما يلي:
"لا يحق لأيّ امرئ التّدخّل في تفسير الدّين وإنّ من حقّ أيّ إنسان أن يعتنق الدّين الذي يرضاه. إنّ هندوسيا إذا أُرغم في سنّ الطفولة أو غير ذلك، على أن يكون مسلما على غير إرادته فإنّ له الحقّ، إذا ارتضى ذلك، أن يرتدّ إلى دين آبائه"…
وإنّ الفيلسوف اليهودي "مايمونيد" في القرن الثاني عشر اضطر إلى الهرب من أوروبا المتعصّبة (موطن بلاده) ومن اضطهادها لليهود إلى أمن وأمان حاضرة القاهرة المتسامحة، ليعيش في رعاية السلطان صلاح الدّين."[12]

لست من قال هذا الكلام، ولا من ضرب هذا المثل، وإنما هو عالم الاقتصاد الهندي، والأستاذ بجامعة كمبريدج، الزميل الرئاسي للبنك الدولي عام 1996، والحائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية عام 1998، والذي شغل منصب الأمين العام لمعهد الدّراسات المتقدّمة في برنستون.

تفكير يحترم العهود، ويعترف للإنسان بحقّه في الاختلاف حتّى ولو كان محاربا، "ولا يخفر[13] المسلمون لأهل العهد ما صالحوهم عليه، وقد كان الوليد بن يزيد الخليفة أجلى أهل قبرص إلى الشام، بعد أن أقرّهم في بلدهم الأميرُ الفاتح معاويةُ بن أبي سفيان في خلافة عثمان، فأنكر فقهاءُ المسلمين على الوليد. فلما وَلِي بعدَه يزيدُ بن الوليد، ردّهم إلى قبرص، فاستحسن المسلمون ذلك ورأوه عدْلا."[14]

تفكير لا يضيق بالمخالفين، ويجد من الاستعداد الكثير ليجادلهم ويحاورهم في أناة لتبصيرهم بما يراه حقا. يقول ابن العربي: "وكنّا نفاوض الكراميّة[15] والمعتزلة والمشبّهة واليهود، وكان لليهود حبْرٌ منهم يقال له التّستريّ، لقِنا فيهم، ذكيّا بطريقتهم. وفاوضنا النّصارى بها، وكانت البلاد[16] لهم، يأكُرُون[17] ضياعها، ويلتزمون أديارها، ويعْمرون كنائسها.[18]"

تفكير لا يُقصي الآخر لمجرّد أنّه مخالف، ويعرف للناس حقوقهم في التعبير، ومن أوضح الأدلة على ذلك ما قاله الشيخ أحمد بن الخوجة:
"إنّ إحضار طائفة من أهل ذمتنا في مجالسنا معشر المسلمين للمناضلة عن حقوقهم والتكلم في المصالح واستكشاف ما عندهم من الرأي، هذا بمجرده لا بأس به شرعا لأدلة منها:
إحضار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول واستشارته في واقعة أحد…
ومنها أنّ غاية أمرهم أن يجروا مجرى الوكلاء على بني نوعهم في التكلم في مصالحهم والمناضلة عن حقوقهم وأي مانع من ذلك؟
بل لهم المناضلة عن حقوق المسلمين والتكلم في مصالحهم، ففي الباب الأول من وكالة الهندية وإذا وكّل المسلم أو الذمي حربيا مستأمنا في دار الإسلام بخصومة أو ببيع أو غير ذلك جاز، كذا في الحاوي، وكذا رأيت في غيره من كتب الحنفية على شرط أن يدخل الوكيل تحت الأحكام ثمّ الإصغاء إلى شكيتهم وسماع ما يتعلّق بمصالحهم من مستتبعات عقد الذمة.
قال القرافي في الفرق 119 بعد أن نقل قوله صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالذمّة خيرا" أنّ عقد الذمّة يوجب حقوقا علينا لهم لأنهم في جوارنا وذمة الله وذمّة رسوله ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيّع ذمّة الله وذمّة رسوله ودين الإسلام."[19]

تفكير يؤمن بنسبية التفكير، فـ"كلكم راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر". كلمات اشتهرت عن مالك لتؤكّد على نسبية الحق في ما يقول الناس، وهو ما عبّر عنه أبو حنيفة بقوله: "فإذا بلغ الأمر فلانا وفلانا، فهم رجال ونحن رجال". وقد سجّل ابن العربي موقفا طريفا مع أستاذه الغزالي يكشف رسوخ هذا المبدأ في الثقافة الإسلامية بما لم يقدر الخلف أن يصيبوه من أسلافهم بالدرجة ذاتها وبالوعي ذاته، يقول ابن العربي: "فاوضت يوما الطوسي[20] في ذكر تآليفه، فأعرض عن بعضها، ثم نظرت في كتاب "المعيار"[21] فأعجبني فاستحسنته وجئت إليه وعلى كمي كراسة منه، فقال لي: ما معك ؟ فاستحييت ورفعته إليه، فقرأه مليا وأنا أسارقه النظر وأرفض عرقا، ثم رفع رأسه إلي وقال لي: كتاب حسن، ولكن لا تغتر بمخالفتنا فيه"[22].

وقد كان ما أشار به عليه الغزالي، فقد انتقد ابن العربي على شيخه فيه "أغراضا صوفية فيها غلو وإفراط"[23]، بل بلغ تميزه في هذا الشأن حد وضع قانون في المعرفة خاص أشار إليه ابن تيمية بقوله: "وكان للغزالي قانون هو المنطق، أما أبو بكر بن العربي فقد وضع قانونا آخر مبنيا على طريقة أبي المعالي ومن قبله كالقاضي أبي بكر الباقلاني[24]" [25].

وأمّا التفكير في الإسلام، فنعني به التفكّر في مبادئه، وتعميق الوعي بقيمه، وإدراك دلالات أحكامه، والتعوّد على الموازنة بين "المنْطِق" و"المنطُوق"، وبين "الحُكم" و"الحِكمة"، وبين "المقصد" و"المآل"، وبين "ما قال الشارع" و"ما أراد"… كلّ ذلك قصد إدراك ما هو قانون ثابت لكلّ أمّة وجيل، وما هو فهم عارض لجيل دون جيل… والتمييز بين ما هو فصل إلهي حاسم يتعالى على الزمان والمكان، وبين ما هو اجتهاد بشري محدود بحدود الزمان والمكان…

إنّه التفكير الذي يحرص على أن يتملك المسلم "آليّة التشخيص المستمر" لواقع الوعي بالإسلام، يسْبِر أغوارَه وينقد مقوّماتِه، ويقترح تعديل مساراته ليجعله موافقا للأسس التي قام عليها مشروعه، ولخياراته التي تُرجمت عند كثيرين فيما سُمّي بالمقاصد الكليّة. ولذلك يمكن اعتبار هذا المستوى من التّفكير "ضمينا ابستمولوجيا" (Garant épistémologique) أَدَواتُه:- المساءلة والمراجعة،
- والتحليل والنقد،
- وتأويل النتائج…

كلّ ذلك قصد إدراك الحقّ الذي هو في ثقافتنا ليس حكرا على انتماء أو جنس أو شخص، بل هو المعيار في الحُكْم على كلّ ذلك، وقديما قال علي بن أبي طالب: "الحقّ لا يُعرف بالرجال، ولكن اعرف الحقّ تعرف الرّجال"…

كما أنّه ليس حِكْرا على جيل دون جيل أو على زمن دون زمن، وقد عبّر عن ذلك المبرّد في كامله فقال: "ليس لقدم العهد يُفضّل القائل، ولا لحدثانه يُهتضم المصيب، ولكن يُعطى كلٌّ ما يستحقّ".

بل إنّه ليس حكرا حتّى على النصّ، فقد يوجد كثير من الحقّ في غيره، وإذا جاء أذعن له المسلم لأنّ "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها."[27]

وقد أحسن ابن القيّم التعبير عن ذلك عندما قال: "قال ابن عقيل: "السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي"… فإنّ الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات. فإن ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأيّ طريق كان: فثمّ شرع الله ودينه…"[28]

إنّ التعامل بسلبيّة مع الوارد من التاريخ أو الوافد من الآخر يوقعنا في أسر حُجُب تمنعنا من إدراك الأشياء على حقيقتها، كما يمنعنا من الإبداع والابتكار فـ"تقديس الأشخاص وآراءهم المكتوبة، كان يَحُول لا شُعوريا دون التّعامل مع الوقائع الخارجية للتّحقّق من صحّة هذه الآراء. فالذين يقدّسون أرسطو –مثلا- تجمّدوا على رأيه في سقوط الأجسام، ولم يخطر لهم أن يتثبَّتُوا من صحّة أقواله. فكان التفكير في التثبت أمرا جديدا أو تطاولا وتكذيبا للثقات وعملا مرذولا، فحين كان جاليلو يمتحن قول أرسطو في سقوط الأجسام، وحين قال: يسقط مسمار كبير وآخر صغير فيصلان معا بسرعة واحدة، كان الأساتذة يسخرون منه لأنّه يحاول إظهار خطأ أرسطو (يا للوقاحة والكبرياء)."[29]

إنّ "التفكير بالإسلام" أساس للوحدة الثقافية، بينما "التفكير في الإسلام" أساس لضمان الاستمرارية والتجدّد الحضاريّين… ولعلّي لا أكون متجنّيا على تاريخ الحضارة الإسلاميّة إذا قلت بأن سبب التخلّف الذي عرفته في هذه القرون الأخيرة هو أنّ هذا التفكير بالإسلام استمرّ بشكل ما، دون أن يستمر معه تفكير فعال ومجدّد في الإسلام، وبذلك أخذت آليات الحضارة في الاهتراء شيئا فشيئا حتّى بلغت حدّ العجز عن النهوض بحقّ المجتمع والتاريخ، وغاب الضمين الفكريّ للسير على قدر إيقاع الزمان، إلى أن أمست الحضارة على هامش التاريخ. وقصد تعميق هذا التصوّر، سنضرب عليه مثلا بمسيرة التشريع الإسلاميّ على مدى التّاريخ الإسلامي في موقف آخر بإذن الله.[30]

إنّها مشكلة "الثّابت" و"المتغيّر" مرّة أخرى، وإنّها مشكلة المواقف الحدّية التي يستكين إليها الأكثرون، غافلين عن أنّ رعاية الثابت تستوجب في ذاتها إتاحة الفرصة للمتغيرات حتّى تتغيّر، بل إنّ الثابت ذاته هو في جوهره وحدة حيّة متحركة، بقاؤها في تجدّدها أثرا وحجة وتجلّيات… فإذا سكنت ماتت.

ويأتي التفكير أداةً لاستكناه هذه الوحدة في حِلّها وترحالها، يُتابع أسباب رقيّها حين ارتقت، ويكشف أسباب تراجعها حين تراجعت، وذلك قصد بلورة الرّؤى بما يزيد من حركية الأفكار في لحظتنا الراهنة، ويزيح من طريقها العوائق والعقبات…

ولذلك فإنّنا ندرس الأفكار والمواقف في كثير من الأحيان لا لذاتها، وإنّما لإدراك أبعادها دلالاتها: قد نهتمّ بنتائجها وما أفرزته من مواقف، ولكن يعنينا بدرجة أكبر طرائق التفكير وآيات النّظر التي حكمت مساراتها. وحتّى إذا توافق سؤالنا مع أسئلة سلفنا في قضايا معيّنة، فإنّ الإجابة عن تلك الأسئلة ستكون غالبا من واجبا وحقّنا مهما علا شأن إجابات أسلافنا، لأنّهم أجابوا لزمانهم لا لزماننا، ومن الظلم لهم ولأنفسنا أن نتصور بأنّهم فكّروا في الحلول لمشكلات زماننا، إذ "كلّ نفس بما كسبت رهينة"، "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، و"أن ليس للإنسان إلا ما سعى".

إنّ التفكير في الإسلام ضمانة أساسيّة ترْعى حقّ التاريخ الإسلاميّ بقدر ما ترعى حقّ الواقع والعصر، وهي تُنصف الأجيال التي صنعت الماضي، بقدر ما تُنصف الأجيال التي تصنع الحاضر:

أ‌- فبالمعنى الأول نُنْصف جُهْد الأسلاف دون اكتفاء أو تعويل على الجاهز، ونقول في إبداعاتهم أفضل مما قاله "نيتشه" وهو يصف التجربة الإسلاميّة عموما والتجربة الأندلسية خصوصا: "تلك الحضارة المورسكية البارعة بإسبانيا، المتّسمة بروح شديدة القرب منا، والمتحدّثة بمعانينا وبأذواقنا أكثر حتّى من روما واليونان، تلك الحضارة التي دِيست بالأرجل، لا لشيء إلا لأنّها وليدة حسّ أرستقراطي… حسّ رجوليّ وشجاع، لأنّها قالت نعم للحياة، فضلا عمّا بها من رهافة حسّ أضفتها عليها الحياة المورسكية… لقد حاربها الصلييون وقد كان الأولى بهم أن يسجدوا لها في التّراب، تلك الحضارة التي لو قُورنت بقرننا السادس، لَبَدَا هذا الأخير أمامها فقيرا ومتخلّفا…"[31]

ب‌- وبالمعنى الثاني نُنصف حقّ كلّ جيل في أن يتجاوز القائمَ باحثا عن الأمثل. ذلك تأويل ما قاله أبو حنيفة قديما: "فإذا بلغ الأمر فلانا وفلانا، فهم رجال ونحن رجال…"
وتأويل قول ابن القيّم: "فصل في تغير الفتوى واختلافها يحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل"[32]، ثم يخرج على هذه القاعدة جملة من القضايا والفتاوى منها:* شروط إنكار المنكر.*
* النهي عن قطع الأيدي في الغزو.*
* سقوط الحد عن التائب.*
* سقوط حد السرقة أيام المجاعة.*
* صدقة الفطر حسب قوت المخرجين.*
* لا يتعين في المصراة ردّ صاع من تمر.*
* طواف الحائض بالبيت.*
* جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد.*
* موجبات الأيمان والأقارير والنذور.*
* طلاق الغضبان.*
* اليمين بالطلاق والعتاق.*
* تأجيل جزء من المهر وحكم المؤجل.*
* شرط الواقف ليس بمنزلة نص الشارع…*

وأخيرا… وقبل أن أضع عصا الترحال في هذه المسألة أقول بأن التفكير في الإسلام هو الضمين لأن يستمر التفكير بالإسلام فعلا وأداء، لأنه هو الذي يعطيه حيويته ومعناه… وهو في الوقت ذاته الضمين لأن يثمر التفكير بالإسلام الثمرة المرجوّة ويؤتي أكله كلّ حينٍ بعيدا عن السلبية والتنطع والانبتات، لأنّه يغسله في كلّ مرة بماء الحقّ… ويعرضه على شمس التنقيح والمراجعة قصد إدراك السعادة والرحمة المنشودة للجميع… في الدنيا وفي الآخرة…
09:09

الإسلام والتفكير

الإسلام والتفكير
لقد خلق الله الإنسان ، واستخلفه في الأرض قال تعالى : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30
وهيأ له جميع السبل التي تعينه على تحقيق هذه الخلافة قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }الملك15
وليقوم بمهمته في الحياة على أكمل وجه ألا وهي مهمة العبادة قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56
وميزه الله على سائر المخلوقات الأخرى،بميزة جعلته يتبوأ هذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى وهي ميزة العقل وما يمتلكه من قدرات قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70
إن العقل البشري من اعقد ما خلق الله تعلى ، وفي ذلك دليل قاطع على عظيم قدرته سبحانه وتعالى،وجعله يستخدم عقله في جميع أموره وشؤونه وحثه على ذلك في كتابه العزيز،وأمره بالتفكر فيما حوله من مخلوقات وفي الأمم السابقة التي عاشت قبله وفنيت،ولم يبق سوى آثارهم ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }البقرة164
وقال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ }المائدة58
وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}النحل12
لقد ذكر الله العقل في القران الكريم في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل، وحثه على تحكيم عقله.
ومن الآيات الدالة على حث الإنسان على التفكر قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار}آل عمران190 -191
وهي دالة دلالة واضحة على التفكير وفيها خطاب لأولي الألباب وهم أصحاب العقول.
وقال تعالى : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ }الروم8
وقد حط تعالى من منزلة من لا يستخدم عقله وتفكيره وجعله في أدنى درجة من الحيوان قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }الأنفال22
وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً }الفرقان44
لقد علم الله الإنسان الكثير ، واستطاع بتوفيقه أن يصل إلى علوم شتى،مستعينا على ذلك بقدراته العقلية ، وقدرته على التفكير،وحل العديد من مشكلاته التي اعترضت طريق حياته،وتوصل إلى قوانين ونظريات ومخترعات سهلت له أمور معيشته،فلله الحمد والشكر على هذه النعمة.
09:06

منهج البحث والتفكير الإسلامي

منهج البحث والتفكير الإسلامي
منهج البحث أو الطريقة التي يتبعها الباحث في تنظيم وإجراء بحوثه للحصول على النتائج التي يستهدف الوصول إليها ببحثه، تؤثّر تأثيراً مباشراً على النتائج والإنتاج العلميين، فبقدر ما يكون البحث قائماً على أساس منهج سليم، ومناسب للموضوع الذي يبحث فيه، يكون البحث منتجاً، وموصلاً إلى نتائج صحيحة سليمة من الناحية العلمية، ومساعداً على اكتشاف القواعد والأسس العلمية وصياغتها.
لقد عرّف منهج البحث العلمي بأنّه: ( الطريقة التي يتبعها العلماء في وضع قواعد العلم، وفي استنتاج معارفه على ضوء تلك القواعد) (31).
وللمنهج أثره ودوره الكبير في اصالة الفكر وسلامة الأفكار والمعلومات والنظريات والمفاهيم المستنتجة. فما لم يكن منهج البحث والتفكير إسلامياً او موافقاً لاتجاهه، فان النتائج لن تكون صحيحة ومنسجمة مع روح الإسلام.
إنّ مناهج البحث في العلوم والمعارف بصورة عامة تقسم بطبيعتها إلى قسمين هما:
1ـ المناهج العامة ( المناهج المنطقية): وهي الطرق العامة للبحث العلمي التي تشمل كل العلوم والمعارف البشرية.
2 ـ المناهج الخاصة ( المناهج الفنية): وهي الطرق الخاصة للبحث العلمي التي تختص بعلم معين، كالتاريخ والفيزياء والعقيدة والفلسفة وأصول الفقه. الخ.
إنّ من الواضح أن هناك مبادئ أساسية تشترك فيها العلوم والمعارف البشرية جميعها، وهي القواعد المنطقية الكلية التي يدرسها علم المنطق. لذا عرّف المنطق بأنّه: ( علم تُدرّس فيه القوانين العامة للتفكير السليم).
ومن الأساسيات في منهج التفكير العلمي المشترك بين كافة البحوث والدراسات العلمية هو الانطلاق من مبدأ التوقف في كل قضية حتى تثبت صحتها بالدليل، والتسليم بمبدأ السببية والتعليل القائم على أساس ان التفكير البشري بطبيعته يجري على أسس وقوانين منطقية.
وحينما نستخدم تلك القوانين _ قوانين المنطق أو التفكير السليم _ في البحث العلمي، وفي كل علم ومجال من مجالات التفكير، فستجري البحوث على أسس صحيحة وتعطي نتائج صحيحة.
كما أنّ من الواضح أيضاً أن لكل علم ومعرفة من العلوم والمعارف البشرية منهج بحث خاصاً به ومناسباً له، يستخدمه العلماء والباحثون في ذلك الموضوع، فمنهج البحث في العلوم المادية، كالطب والفيزياء والكيمياء يختلف في بعض جوانبه عن منهج البحث في التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والعقيدة الخ.
ونحن عندما نبحث في الفكر الإسلامي، كالعقيدة والفقه وأصوله والتفسير والسياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم الأخلاق والتاريخ والرواية، لابد وان نحدد الأسس العلمية، لمنهج البحث لنصل إلى نتائج علمية دقيقة من الناحية العلمية وسليمة من حيث صفتها الإسلامية، أي لابد من أن نحقق في البحوث والنظريات والدراسات الإسلامية جانبين هما:
1 ـ العلمية والواقعية.
2 ـ الالتزام والأصالة الإسلاميان.
وبعد هذا التقديم نعرف أن هناك أسساً علمية عامة تشترك فيها البحوث والدراسات والنظريات العلمية كافة؛ المادية منها كالفيزياء والطب والفلك والكيمياء، أو الإنسانية كالاقتصاد والأخلاق والفلسفة والعقيدة والاجتماع والفقه والقانون والتاريخ ... الخ.
فكل تلك العلوم تشترك في مبادئ ومسلّمات أساسية، كالتسليم بالسببية وقانون العلية، وكالتسليم بعدم التناقض، وكالانطلاق من مبدأ التوقف في كل قضية حتى تثبت صحتها بالدليل ... الخ.
فالعلوم والمعارف جميعها تنطلق من تلك المسلّمات والأسس، كبحوث الفيزياء والإيمان بالله والدراسات التاريخية والفقهية والهندسية والطبية... الخ.وقد أكد هذه الحقيقة جملة من العلماء والباحثين في علوم الطبيعة والعلوم الإلهية والإنسانية على حد سواء.
ننقل من هذه الآراء:
(حقيقة ان رجل العلوم يستخدم فكرة الآلية بوصفها إحدى وسائله أو أدواته، فهو يتكلم مثلاً عن آلية الجسم، ولكنه يجري بحوثه على أساس مبدأ السببية، مبدأ السبب والنتيجة، على أساس وحدة الكون وما يسوده من القانون والنظام، وهو كأي أنسان آخر يتخذ كل قرار، ويفكر في كل أمر على أساس مبدأ السببية) (32).(وليس من العجيب أن تجد أن قانون السببية الذي يعد أساساً في فهم ظواهر الكون المادي، والذي يتحكم في النبات والحيوان، والذي يتكون العقل الإنساني بمقتضاه، هو ذاته القانون الذي نستطيع أن نصل به إلى إدراك قيم القانون الأخلاقي الطبيعي القائم على المحبة والعدل والرحمة والحقوق والمسؤوليات والجمال، بل هو ذاته القانون الذي يوصلنا إلى إدراك وجود الله...) (33). ( أحب أن ألفت الأنظار إلى طريقة الأستدلال التي نستخدمها في علوم الرياضة، فمن المعروف في علم الهندسة، أنّنا نستطيع أن نبني كثيراً من النظريات على عدد قليل من البديهيات، أو تلك الفروض التي نسلّم بها، ونقبلها دون مناقشة أو جدال حول صحتها، فالعلماء يسلمون أولاً بالبديهيات، ثم يتتبعون مقتضياتها، أو النتائج التي تترتب عليها، وعند إثبات نظرية نجد أن برهانها يعتمد في النهاية على مسلمات أو أمور بديهية، وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله، فوجوده تعالى أمر بديهي من الوجهة الفلسفية، والأستدلال بالأشياء على وجود الله ـ كما في الاثبات الهندسي ـ لا يرمي إلى إثبات البديهيات، ولكنه يبدأ بها، فإذا كان هنالك اتفاق بين هذه البديهية، وبين ما نشاهده من حقائق هذا الكون ونظامه يعد دليلاً على صحّة البديهية التي اخترناها...) (34).
(وهذه الحقيقة هي أن الأسس المنطقية التي تقوم عليها كل الاستدلالات العلمية المستمدة من الملاحظة والتجربة،هي نفس الأسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبّر لهذا العالم عن طريق ما يتصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير،فان هذا الاستدلال كأي استدلال علمي آخر ـ استقرائي بطبيعته ـ وتطبيق للطريقة العامة التي حددناها للدليل الاستقرائي.
فالإنسان بين أمرين: فهو إما أن يرفض الاستدلال العلمي ككل، وإما ان يقبل الاستدلال العلمي، ويعطي الاستدلال الاستقرائي على إثبات الصانع نفس القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي. وهكذا نبرهن على أن العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي، ولا يمكن ـ من وجهة النظر المنطقية للاستقراء ـ الفصل بينهما)(35).
وهكذا نفهم أن منهج البحث والتفكير الإسلامي في شتّى المجالات يشترك مع العلوم الطبيعية والمادية في الأسس العامة ويبتني عليها.
فالباحث الإسلامي الذي يستهدف دراسة العقيدة الإسلامية أو اكتشاف نظرية في الأخلاق او الاقتصاد والفنّ والاجتماع والسياسة وعلم النفس والسلوك... الخ، عليه أن يسير:
1 ـ وفق الأسس العامة لمنهج البحث المنطقي.
2 ـ وفق الأسس الخاصة لذلك العلم وتلك المعرفة، كالتفسير والتاريخ والرواية والعقيدة.
فبالتنسيق بين الأسس العامة والخاصة، يستطيع أن يوفر لنفسه منهجاً سليماً للبحث والتحقيق العلمي، وبناء النظرية الإسلامية والفكر الإسلامي المستنتج على أسس علمية صحيحة.
إن منهج البحث والتفكير الإسلامي يبتني على الانطلاق من اساسين اثنين هما:
1ـ البديهات العقلية المسلّم بها.
2 ـ الأسس والكليات الإسلامية الثابتة لديه، كالآيات القرآنية أو السنة الصحيحة ... الخ.
إن المفكر الإسلامي والباحث في العلوم والمعارف الإنسانية على أسس إسلامية يجد أمامه المجالات والموضوعات الآتية:
1 ـ دراسة الواقع الإنساني والاجتماعي وما يحتاجه الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية.
2 ـ الدين ( القرآن والسنة والاستنباط منهما)، وعليه أن يقيم دراسته وأبحاثه ونظرياته على أساس الرؤية الإسلامية الواردة في القرآن والسنة المعبرة عن الحقيقة العلمية للنظام والحياة الإنسانية، فبالتأمل في هذه الحقائق ودراستها، نجد أن الدين مجموعة من القوانين والأفكار والقيم والمفاهيم التي تنظم اتجاه التفكير والنفس والمجتمع، وتوجّه حركتها ونشاطاتها المختلفة.
إنّ الأفكار والنظريات والدراسات الإسلامية المتعلقة بالواقع الإنساني والاجتماعي كلّها تقع في دائرة الدين الإسلامي، وعلى ضوء الأسس والمقررات الفكرية التي يقرّرها هذا الدين العظيم.
وقد أسس علماء الإسلام المناهج العلمية، وطرق البحث والتفكير الموصلة إلى النتائج والأفكار الإسلامية الملتزمة.
وقد استخدم العلماء منهجي الاستقراء والقياس كأداة للاستنباط واكتشاف الأفكار والنتائج بشكل واسع ودقيق. ومن الجدير بالذكر أن هذين المنهجين ( الاستقراء والقياس ) هما المنهجان المتّبعان في العلوم والمعارف المادية والإنسانية كلّها.
وفيما يلي نذكر أمثلة تطبيقية لاستخدام الباحث والمفكر الإسلاميين منهجي الاستقراء والقياس للحصول على أفكار ومفاهيم إسلامية:
1 ـ الاستقراء القائم على اساس الملاحظة والتجربة.
2 ـ اكتشاف النتيجة العلمية والفكرية ( اكتشاف القانون العام).
3 ـ وبعد أن تتم عملية اكتشاف القانون العام تبدأ مرحلة استخدام المنهج القياسي، والمنهج القياسي هو عبارة عن تطبيق القانون العام على الحالات الجزئية المتماثلة.
فالخطوة الأولى هي الاستقراء، وقد مرّ علينا آنفاً كيف أن الاستقراء هو الأساس في منهج إثبات وجود الله سبحانه، القضية الأساسية في الفكر الإسلامي:
1 _ لو أخذنا مسألة إثبات وجود الله لوجدنا هذا الاثبات يعتمد على استقراء جزئيات الكون والموجودات عن طريق الملاحظة والتجربة، وهذا الاستقراء هو الذي يقود إلى اكتشاف نتيجة علمية أساسية وهي:( قانون السببية)، وبتطبيق القياس _ أي قياس الكون والعالم، ككل على جزئياته _ نصل إلى تفسير نشوء الكون والعالم وفق هذا القانون الكلي ( قانون السببية)، فنثبت بذلك أن للعالم والكون سبباً أول تنتهي إليه الأسباب وهو ( الله سبحانه).
2 _ وكما يستخدم منهجا الاستقراء والقياس في العقيدة والعلوم العقلية، يستخدمان كذلك في دراسات ونظريات العلوم الاقتصادية والنفس واكتشاف القوانين والعلوم والمعارف الاجتماعية والنفسية لتفسير المجتمع والتاريخ والسلوك البشري... الخ.
فإذا أردنا مثلاً أن نكتشف قوانين علم الاقتصاد السياسي، ونفسر الظواهر الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ( الذي يطبق النظام الإسلامي) كقانون العلاقة بين العرض والطلب، والإنتاج والأسعار والأجور والبطالة...الخ، فعلينا أن ندرس هذه الظواهر الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، الذي يظبق نظريات الاقتصاد الإسلامي ذلك لأنّه لا يمكن أن نكتشف قوانين علم الاقتصاد السياسي الإسلامي إلاّ في ظل التطبيق الإسلامي، لأنّها إفراز لوضع المجتمع بصيغته العامة ، الأخلاق والأحكام الإسلامية _ أي يعيش في ظلّ النظام الإسلامي _ فتتابع حركة السوق والمصانع وعلاقة العمال بربّ العمل وقضية الإنتاج والأسعار والبطالة... الخ، وندرسها على أساس الملاحظة والتجربة اليومية، عن طريق متابعة جزئياتها لنتمكن من اكتشاف القانون ثمّ تعميمه عن طريق ( القياس )، وبالتالي نحصل على القوانين المتعلقة بهذه الموضوعات، ونحدد قوانين علم الاقتصاد السياسي الإسلامي من خلال تطبيق منهجي الاستقراء والقياس العلميين.
3 _ وإذا أردنا أن ندرس المجتمع الإسلامي لنؤسس نظرية لعلم الاجتماع الإسلامي، وكيفية تفسير المجتمع والنشاطات الاجتماعية، مثلاً إذا أردنا أن نكتشف قانون التغيير والتحول الاجتماعي والحضاري والنمو والتطور والسقوط والاضمحلال في المجتمع والحضارات من وجهة النظر الإسلامية، فانّ الاستقراء القائم على أساس الملاحظة ودراسة الحوادث الاجتماعية الجزئية والفردية والجماعية هي الطريق إلى اكتشاف قوانين علم الاجتماع.
ففي مثل هذه المحاولة الاكتشافية علينا أن ندرس الوضعية الاجتماعية القائمة في المجتمع الذي يعيش في ظل تطبيق النظم الاجتماعية الإسلامية، وتحليل بنية ذلك المجتمع وعناصر تكوينه وتشكيله وظواهره وأنماط الحياة والعلاقات فيه، بملاحظة جزئيات الحوادث والممارسات والظواهر والعلاقات الاجتماعية، اعتماداً _ كما أوضحنا _ على منهج الاستقراء القائم على أساس الملاحظة والتجربة والاحصاء، ثم الاستنباط والاستنتاج، فالقياس والتعميم، وصياغة هيكل وقواعد النظرية في علم الاجتماع الإسلامي على أساس الرؤى والمفاهيم الإسلامية.
09:05

مفهوم التفكير الإسلامي

وإذا كان هذا هو التفكّر بصورة عامّة، وان نتاج عملية التفكير ومحصلته العلمية يمكن أن نسميها (الفكر) فلنقف إذن عند قضية أساسية في حياة الأمّة الإسلامية وأجيالها المتعاقبة وفي حياة البشرية، وهي قضية (التفكير الإسلامي )و( الفكر الإسلامي ) وماذا نقصد بكل منهما:
أ _ التفكير الإسلامي:
وبناء على ما قدمنا من تعاريف للفكر والتفكر نأتي هنا فنعرّف التفكير الإسلامي، وبما انّ لكل عمل عقلي ونشاط فكري منهجه ومنطلقاته وأهدافه، وبما أنّنا قد فهمنا انّ التفكير حركة عقلية تبدأ من المعلوم لتنتهي إلى اكتشاف المجهول، فإذن انّ هذه الحركة العقلية إذا ما مارست دورها في مجال المعارف الإنسانية كالفلسفة والتشريع وعلم الأخلاق والتوحيد ونظريات الاقتصاد والسياسة والأدب وعلم النفس الاجتماعي وفلسفة التأريخ ... الخ، ستمارس عملها كالآتي:
1 ـ تنطلق من مبادئ ومقدّمات محدودة المعالم حسب المجال الفكري الذي تتحرّك فيه.
2 ـ تسير وفق منهج وطريقة معينة تتناسب ونظرة المفكّر وطريقته في التفكير.
3 ـ تنتهي إلى نتائج فكريّة محدودة الصفة والهوية.
فان كانت هذه العملية الفكرية تنطلق من منطلقات ومقدّمات فكرية إسلامية أو منسجمة مع الخط الإسلامي، وسارت وفق منهج تفكير اسلامي، واستهدفت تحصيل نتائج وفق هذه المقدمات وطريقة التفكير التي اعتمدتها، مستهدفة الحصول على نتائج فكرية ذات طابع وهوية
إسلامية، سيكون هذا التفكير تفكيراً إسلامياً. وأما إذا لم يجر التفكير وفق تلك المبادئ الإسلامية الثلاثة، فلن نصفه بأنّه تفكير إسلامي، لأنّه انطلق من مقدمات غير إسلامية، وتحرّك وفق منهج تفكير غير إسلامي، وانتهى بصورة حتمية إلى نتائج غير إسلامية.
وإذن نستطيع أن نعرّف التفكير الإسلامي بأنّه: " كل حركة عقلية تجري على أسس إسلامية مستهدفة تحصيل فكر إسلامي ملتزم".
ب ـ الفكر الإسلامي:
وبعد أن عرّفنا التفكير الإسلامي نستطيع أن نعرّف الفكر الإسلامي بأنّه:
(مجموعة العلوم والمعارف القائمة على أسس وموازين إسلامية).
وبهذا يكون الفكر الإسلامي: (هو الفكر الذي انتجه التفكير الإسلامي الملتزم بالأسس والموازين الإسلامية).
وهكذا ننتهي إلى نتيجة أساسية في مسألة تحديد هوية وصفة الفكر والثقافة والحضارة والمعرفة، ووصفها بأنّها إسلامية أو غير إسلامية، فليس كل ما أنتجه المسلمون يصح أن نصفه بأنّه إسلامي، إنّما يوصف الفكر الملتزم بالإسلام فقط بأنّه إسلامي، وتنطبق هذه الحقيقة على كل إنتاج فنّي وأدبي أيضاً كما انطبقت على كل إنتاج فكري. فلا نسمّي الإنتاج الأدبي بأنّه أدب إسلامي، إلاّ إذا كان أدباً ملتزماً بالقيم والموازين الإسلامية، وحاملاً طابع الإسلام وروحه.
وكذلك لا نسمّي كلّ فنّ ينتجه الفنّانون المسلمون فنّاً إسلامياً، إلاّ إذا كان فنّاً ملتزماً بالقيم والموازين الإسلامية ومعبّراً عنها. قال تعالى:
{ صبغة الله ومن أحسنُ من الله صبغةً ونحنُ الهُ عابدون} (البقرة/ 138).

نموذج الاتصال

Nom

E-mail *

Message *

Traduction ترجمة