آخر المواضيع

mardi 26 novembre 2013

15:16

العوامل التي أدت إلى تشويه روح الإسلام

حاولنا أن نكشف في الصفحات القليلة السابقة عن مدى احتياج الإنسانية إلى الإسلام؛ كمنهاج لحياتهم، وطريق لسعادتهم، وفي سبيل ذلك حاولنا إبراز روح الإسلام في بعض جوانبه، وفلسفته فيها، ثُمَّ ميزتها على الفلسفات والأديان الأخرى، كما عرفنا مدى موافقته لفطرة الإنسان، وطبيعة خلقته.
بيد أنَّ هذه الرُّوح لم تبق على أصالتها في أذهان الناس؛ بل شوهت وتغيرت، حتى اختلطت روح الإسلام بروح الأديان الأخرى، وامتزجت فلسفته بفلسفات الفلاسفة، وعندئذ لا تبدو ميزة الإسلام على هذه الأديان والفلسفات، ولم تعد تلائم فطرة الناس، بعد هذا التشويه والتغير.
هذا التشويه هو الذي جعل الناس يبتعدون عن الإسلام، ويتهربون منه، حتى إذا دُعُوا إليه، وإلى السير على منهجه؛ عادوا الداعي، ولم يلتفتوا إلى دعوته.
 وإذا أردنا عودة الناس إلى الإسلام فلا بد أن نزيل هذا التشويه عن منهاج الإسلام أولاً وقبل كُلِّ شيء؛ ولكن لا يمكن ذلك إلا بالتعرف على الأسباب والعوامل التي أدت إلى تشويهه؛ لذا بات من واجبنا أن نبحث اليوم عن أهم العوامل التي أدت إلى تشويه روح الإسلام، ثم نبين موقفنا، وكيفية التخلص من هذه العوامل؛ حتى تكون دعوتنا إلى الإسلام من جديد دعوة صافية، تبحث في روحه، بعيدًا عن هذه العوامل وأثرها فيه.
(1) السياسة
 لعبت السياسة دورًا كبيرًا في تشويه روح الإسلام - منذ ظهوره إلى يومنا هذا - وذلك عندما اتخِذ الإسلام وسيلة لتحقيق المآرب الشخصية، ومطية للوصول إلى أهداف دنيوية.
غير أنَّ هذه الحقيقة لا تبدو واضحة إلا إذا شرحنا السياسة وأنواعها؛ من سياسة المسلمين، وسياسة الاستعمار، وسياسة الاستشراق، وبينَّا دور كل واحدة منها في التشويه، عند ذلك يتجلى ما قلناه بوضوح.
سياسة المسلمين
ظهرت السياسة الإسلامية على مسرح الحياة أول مرة بعد أن تكونت الدولة الإسلامية في المدينة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاشت الأمة الإسلامية تحت قيادته الرشيدة في وحدة سياسة، ولم تظهر خلال عهده كله خلافات تمثل جماعات إسلامية سياسية، أو بعبارة أخرى أحزاب سياسية تُمَثِّلُ اتِّجاهات مختلفة.
وبعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - مباشرة ظهر أول خلاف سياسي في اجتماع السقيفة، يمثل ثلاث جماعات: الأوس، والخزرج، والمهاجرين.
بيد أن ذلك لم يستمر، ولم يؤدِّ إلى التفرقة في صفوف الأمة، واستمرت الحال أيضًا في هدوء وسكينة إلى آخر عهد عثمان رضي الله عنه؛ فبعد مقتله مباشرة ظهرت الخلافات السياسية بين طوائف الأمة، التي جلبت على الإسلام والمسلمين فيما بعد أضرارًا بالغة الخطورة، وآثارًا سيئة، لا تزال تعاني منها الأمة إلى يومنا هذا!
ذلك أن الأمة قد انشقت بعد مقتله إلى حزبين؛ حزب يناصر عليًّا، والآخر يوالي معاوية، ثم انقسم حزب علي إلى حزبين؛ حزب تشيع له، وأخذ على عاتقه الدفاع عنه والانتصار له؛ وسمي شيعيًّا، والآخر خرج عليه، وسمي هذا الحزب خوارج؛ وبذلك تكونت ثلاثة أحزاب متخاصمة ومتحاربة، كل واحد يحارب الآخر، وجاء العباسيون بعد ذلك يحاربون الأحزاب الثلاثة السابقة.

فكم من معارك دارت بين هؤلاء وأولئك، حتى ذهب ضحيتها مئات الألوف من أبناء هذه الأمة، ما لو قاموا بحرب ضد العدوان الخارجي، لأخضعوا رقاب الأعداء، وفتحوا العالم، ونشروا الإسلام في ربوعه.
كما أنهم لم يتجنبوا إراقة دماء المسلمين في سبيل تحقيق أغراضهم الشخصية، كما لم يتجنبوا اتخاذ الإسلام ستارًا أمام أطماعهم الفردية، وأداة طيعة؛ يؤولون آياته، ويضعون أحاديث مكذوبة، كل ذلك لتثبيت اتجاههم، وتحقيق مزاعمهم، وقد أدخلوا مبادئ غريبة على الإسلام، ثم صبغوها بصبغته؛ لتكسب نصرًا.
من هذه المبادئ والمفاهيم الدخيلة: ما ذكره الشيعة من أن عليًّا - رضي الله عنه - وَصِيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الخلافة حق له ولبَنِيهِ دون غيرهم من الناس، وبذلك جعلوا الخلافة وراثية.
وقالوا: إنه لم يمت، وتطرف بعضهم حتى قال: إنه نبي في التقدير، وأخطأ جبريل في التنزيل، وزاد آخرون في تطرفهم هذا حتى ألَّهُوه!
ومن المفاهيم الغريبة على الإسلام: ما أتى به الخوارج من تكفير المسلمين، وتحليل دمائهم وأعراضهم!
كما أدخل الأمويُّون المبدأ الملكي في نظام الحكم بدل الشورى، فأصبح الحكم وراثيًّا لبني أميَّة، فلا يناله غيرهم ولو كان أحق منهم وأجدر بهذا المنصب، وبذلك جلبوا على الأمة ويلات وفتنًا.
وكل هذه المبادئ التي ذكرناها، والتي لم نذكرها - لم يراعِ مبتدعوها عند وضعها حُكْم الإسلام، ولا مصلحة الأمة، وإنما راعَوْا مصلحتهم الشخصية، وهدفهم الذاتي.
ثم ظهرتْ بعد هذه الأحزاب السياسيَّة مذاهب أخرى غير سياسية، وإن كان ظهورها نتيجة لهذه الأحزاب؛ مثل المرجئة، والمعتزلة، والجبرية، والأشعرية، والماتريدية، وبظهور هذه الفرق ظهرت آراء ومفاهيم متعددة متناقضة.
 وقد اتخِذ الجدل والتأويل وسيلة لتأييد فكرة، أو للتغلب على الخصم في أحايين كثيرة، كما ظهرت بحوث جدلية في موضوعات فرضية؛ فكان ضررها أكثر من نفعها.  
كما كان لحكم بعضِ الخُلَفَاءِ دَوْرٌ كبير في تشويه روح الإسلام، في أذهان كثير من الناس، ذلك أنهم حينما كانوا يحكُمون باسم الإسلام كانوا يحكمون بالظلم والاستبداد، وقتل الأبرياء إن اعترضوا طريقهم، أو أوجسوا منهم خيفة، مع أن الإسلام يمنع القتل بالشبهة، ولكن هذا ما كان ليثير اهتمامهم؛ بل كان يهمهم سلامة أنفسهم ودولتهم كيفما كان الأمر، ومع ذلك فهم صبغوا أفعالهم هذه بالصبغة الإسلامية.
 وما كان لتؤثر أفعالهم هذه في تشويه حكم الإسلام لو أنهم لم يبرروها تبريرًا دينيًّا، ولم يسندوها إلى حكمه؛ ولكن عند ما سلكوا هذا المسلك أصبحت أفعالهم وصمة في جبين الإسلام، مما دعا جماعة المستشرقين إلى القول بأن نظام الحكم في الإسلام نظام دكتاتوري استبدادي؛ يعطي الحاكم حق الحكم المطلق، فما يفعله الحاكم يقره الإسلام، وهي التي جعلت المسلمين أيضًا يخشون من الحكم الإسلامي عندما يُطالبون بإعادته إلى شؤون الحياة في العصر الحديث.
هذا ويُمكنا أن نلخِّص في النقط الآتية النَّتائج السيئة التي أدى إليها اتخاذ الإسلام وسيلة لأهداف سياسية فيما يأتي:
أوَّلاً: تشويه بعض الناس لروح الإسلام، وذلك بتأويلات بعيدة لنصوصه، وبإدخال مبادئ ليست منه؛ والهدف الأساسي من ذلك هو إثبات مواقفهم المنحرفة، وتبرير اتجاهاتهم المخالفة للإسلام باتخاذه سندًا لها.
ثانيًا: تفريق الأمة إلى فرق وأحزاب كثيرة، متعددة الأهداف، مختلفة الأشكال، حتى كان هدف بعضها حرب الإسلام والمسلمين، مستترًا وراء شعارات إسلامية!
ثالثًا: أنَّها أوجدت ثغرات لينفث منها الأعداء سُمومَهُم ضد الإسلام والمسلمين.
رابعًا: ابتعاد المسلمين عن دينهم، ثم عزل الإسلام عن مجال الحياة.
سياسة المستعمرين
لقد استرعت أنظارَ الأعداء الحالةُ التي صار إليها المسلمون - نتيجةً للسياسة السابقة - من ابتعادهم عن دينهم، وعدم تمسكهم بوحدتهم، وكثرة فرقتهم وخلافاتهم فيما بينهم.
كذلِكَ رأَوْا أنَّ الحالةَ الَّتِي آلَ إلَيْها أمْرُ المُسلِمِينَ لا تُساعدهم على الدفاع عن أنفسهم، ومن ثم يمكن أن يندسوا بين صفوفهم؛ ليزيدوا الطين بِلة.
من أَجْلِ هذا اتَّجهوا إلى احْتلال البلاد الإسلامية، وابتلاعِها شيئًا فشيئًا، فاحتلُّوا أوَّلاً الأندلس، ثُمَّ الهِنْد والجزائر وهكذا، حتى وقعت البلاد الإسلامية كلها في قبضتهم، إلا بعض الأجزاء البسيطة منها.
ولكن الاستعمار لم يأمن على استقراره وبقائه؛ لأن المسلمين، وإن آلوا إلى هذا المصير؛ فإن الإسلام ما دام له حيوية، وقرآن يتلى عليهم بالمفهوم السابق، فلا بد يومًا أن يوقظهم من سباتهم، فينفضوا الفتور والأوهام، ويعيدوا مجدهم وسلطانهم ووحدتهم كما كانوا من قبل.
إذًا ماذا يصنعون؟ فاتخذوا قرارًا وهو أنه لا بد من بذل الجهد لتشويه روح الإسلام، ولا بد من تشكيك المسلمين في عقيدتهم، وفي قيمة مبادئهم الدينية؛ حتى تموت روح العاطفة الدينية في نفوسهم، وحاولوا في نفس الوقت رفع قيمة مبادئهم فوق المبادئ الإسلامية، ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية اتخذوا الخطوات الآتية:
- إثارة الخلاف بين الفرق الإسلامية.
- تشجيع رجال الدين غير الإسلاميِّين على النَّيْل من المبادئ الإسلامية والانتِقاص منها.
- خلق مذاهب بشعارات إسلامية، يرأسها بعض الأفراد المنحرفين المنتسبين إلى الإسلام، هدفها نقد الإسلام بالباطل، وخلق آراء وتفسيرات للإسلام تخالف روحه، وتشوه جوهره.
ودور إنجلترا في الهند وباكستان يمثل هذا الاتجاه خير تمثيل، فإنها إبان استعمارها هذه البلاد حثَّت أولاً رِجَال الدين المُعادين لِلإسْلام على الطَّعن في المبادئ الإسلامية، إلى جانب دعايتها المغالية للمسيحية، ثم عملت على خلق مذهب يخضع لِحكْمِها، ويسير وفقًا لهواها.
وقد اصطُنع السيِّد أحْمَد خان لهذا الغرض، فبدأ هذا العميل يعمل دوره الخسيس ضد الإسلام باسم التقدمية، وتحت شعارات إسلاميَّة أطلقها على جماعته ومجلته.
فمن أعماله: أنَّه فسَّر القرآن على أساس المبادئ الطبيعية، وفي سبيل ذلك ارتكب أفحش التأويلات؛ بعد أن حرَّف كثيرًا من المفاهيم الصحيحة عن مواضعها.
وأصدر مجلة باسم "تهذيب الأخلاق"، فكان لا ينشر فيها إلا ما يثير الشقاق بين المسلمين، ولا سيما بين مسلمي الهند والعثمانيين، وجهر فيها بخلع الأديان، ولا يقصد منها إلا الإسلام؛ ولهذا سمي أتباعه بالدهريين، أو الطبيعيين.
كما أنشا مدرسة سماها المدرسة المحمدية؛ لتنشئة أبناء المسلمين على أفكاره السامة.
ولكن مهما كانت آثاره واضحة، فإنه لم يستطع تحقيق كل ما كانت ترجوه إنجلترا من وراء حركته؛ ولهذا اتجهوا من جديد لإنشاء مذهب آخر، عُرِف بالمذهب القادياني، ومؤسسه: ميرزا غلام أحمد.
فقد ادعى هذا أنه نبي حَلَّ فيه روح عيسى ومحمد؛ ليفسح المجال لهؤلاء المستعمرين المسيحيين؛ حتى يتخللوا صفوف المسلمين أولاً، وليجدوا الاستقرار والأمان في ديار المسلمين ثانيًا.
ثم ادعى أنه أوحي إليه، كما ادعى أن الجهاد ليس معناه العنف والقوة، وإنما هو وسيلة للإقناع؛ وذلك ليُميت روح الجهاد والمقاومة في نفوس المسلمين، وأخيرًا دعا المسلمين إلى الولاء للإنجليز، وإلى إطاعة حكمهم.
بعد هذا أنشأ مذهبًا آخر، وعُرف بالأحمدية؛ لخدمة أغراض الاستعمار الإنجليزي، سواء كانت هذه الخدمة بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.
من هذا كله يبدو لنا بوضوح أنه كان هناك للاستعمار غرضان هامان من وراء هجومه على الإسلام بالوسائل المختلفة؛ أحدهما: تشويه روح الإسلام، وثانيهما: الاستقرار في الوطن الإسلامي.
سياسة المستشرقين
قبل بيان الدوافع التي دفعت المستشرقين إلى دراسة الإسلام، وأهدافهم منها - نود أن نعرفهم، ونعرف أصولهم.
فالمستشرقون هؤلاء الذين درسوا العلوم الإسلامية من الذين لا يدينون بالإسلام، والذين بحثوا عن أصلهم وجدوا أكثرهم يهودًا، ثم يليهم في الكثرة المسيحيون.
أما الدوافع التي دفعتهم إلى دراسة الإسلام، فهي ما يلي:
أولاً: محاولتهم دراسة اللغة العبرية؛ باعتبارها لغة نصوص الديانة المسيحية، وهذا قادهم إلى دراسة اللغة العربية؛ لوجود اشتقاق بينهما.
وبعد هزيمة الصليبيين وقيام إصلاح ديني في أوروبا - بدؤوا يهتمون بدراسة الإسلام.
ثانيًا: القيام بالتبشير؛ لنشر المسيحية بين المسلمين.
وهنا اتصلت مصلحة المبشرين بالمستشرقين من جهة، واتصلت مصلحة المستعمرين بالمستشرقين والمبشرين من جهة أخرى؛ ذلك أن المستعمر والمبشر احتاجا إلى المستشرقين؛ لأنهم يعرفون الإسلام ولغته، فيعرفون كيف يدسون عليه، وبذلك ازداد نشاطهم، وزاد اهتمامهم بدراسة الإسلام.
ثالثًا: حب الاطلاع على الثقافة الشرقية؛ دينية كانت، أم أدبية، أم تاريخية.
رابعًا: تشكيك المسلمين في دينهم، وتضليلهم، وأكثر مَن اتجه نحو هذا الاتجاه[1] من المستشرقين، هم مستشرقو اليهود ثم المسيحيين.
وليس ما نراه اليوم عند هؤلاء بغريب علينا؛ إذ إن هذا كان غايتهم من قديم الزمان، ولقد كشف لنا القرآن غايتهم هذه، فقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [النساء: 44]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي نبهتنا إلى نواياهم وأهدافهم السيئة نحو المبادئ الإسلامية.
هذه هي الدوافع التي أدت بهم إلى هذا الموقف من الإسلام بعد تطورات في الأهداف.
وأما أهدافهم في العصر الحديث، فتنحصر في الهدفين المهمين الآتيين:
الأول: هو محاربة الإسلام ومحوه من الوجود، إن أمْكَنَ؛ وإلا فإبعاد المسلمين عنه على الأقل.
الثاني: هو إبقاء المسلمين في تأخُّرهم، وخلق التخاذل الروحي في نفوسهم؛ وذلك بالوسائل المختلفة التي ذكرنا بعضها فيما مضى، وسنذكر بعضَها الآخر فيما يأتي[2].
ولتحقيق الهدف الأول اتَّخذوا الوسيلتَيْنِ الآتيتَيْنِ:
الأولى: نقد قيمة المبادئ الإسلامية بالوسائل الخداعة، والدعاوى الباطلة.
فمن ذلك قولهم: إنَّ مُحمَّدًا ليس رسولاً، وإنَّ القرآن ليس كتابًا منزلاً من السماء؛ وإنما هو نسخة، نسخه محمد من كتابي العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل).
وإن الإسلام ليس دينًا؛ لأنه يدعو إلى التمتع بلذائذ الدنيا، ويتدخل في تنظيم حياة الناس من جميع الجوانب، فالدِّين لا يتدخل في مثل هذه الأمور؛ وإنما الدين الحقيقي لا يهتم إلا بجانب العبادة، أو الجانب الروحي من حياة الإنسان.
ومن ذلك أيضًا قولهم: إن المبادئ الإسلامية غير صالحة للتطبيق على الواقع في العصر الحديث؛ لأنها تدعو إلى الدعة، والكسل، والتأخُّر؛ لارتباطه بالقضاء والقدر.
 وغير ذلك من الدعاوى الباطلة التي يدرك بطلانها من كان عنده أدنى إلمام بحقائق المبادئ الإسلامية.
والثانية: رفع شأن المبادئ المسيحيَّة، وجعلها مقياسًا عامًّا لمبادئنا؛ فإنهم أسقطوا قيمة المبادئ الإسلامية، حتى أخرجوها من الدين، وقالوا بأنها غير صالحة للتطبيق على الواقع، ورفعوا قيمة مبادئهم؛ حتى جعلوها مقياسًا عامًّا لمبادئ الإسلام؛ فإن وافق مبدؤنا مبدأهم يقولون: إنه مبدأ سليم، وإن خالف فهو باطل.
وقد أشار القرآن إلى اتجاههم هذا، فقال: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87]، وقال أيضًا: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]. 
فكأن كل مبدأ من مبادئهم حقٌّ لا يتطرَّق إليه الشكُّ، وكل مبدأ من مبادئنا لا يتفق معها باطل.
ومِمَّا يؤسِفُنا أن نرى بعض دعاة الإسلام - ولا سيما المثقَّفين منهم - قد تأثَّروا باتِّجاه المستشرقين؛ فهم حين يرون مبدأ إسلاميًّا ينقده المستشرقون؛ لعدم موافقته لأحد مبادئهم - يقومون بمحاولات بعيدة عن روح الإسلام للتَّوفيق بينهما.
كما نجدها في تعدُّد الزوجات؛ حين وجدوه لا يوافق ما عندهم، فقالوا: إن آية التعدد وإن أباحت التعدد؛ إلا أن الآية الثانية وهي {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] تنزل الإباحة منزلة الحرام، ولو أنَّهم خطوا خطوة أخرى لقالوا: إن الآية الثانية نسخت الأولى.
مثل هذه المحاولات المتأثرة باتجاه المستشرقين؛ نَجِدُ أمثالها كثيرًا لدى المسلمين، في كثير من القضايا الإسلامية ومبادئها، وهذا الاتجاه منهم أخطر على الإسلام من عمل المستشرقين، واتجاههم نفس الاتجاه؛ إذ إنهم بذلك يَجعلون مبادئ المستشرقين مقياسًا لمبادئنا من حيث لا يشعرون، ثم إن هذا إن دل على شيء؛ فإنما يدل على قِلَّة الاعتزاز بالإسلام، والغفلة عن أغراض المستشرقين وخدعهم.
ومن وسائل خداع المستشرقين أيضًا: تظاهرهم في وصف بعض المبادئ الإسلامية بمظهر المنصف العادل؛ لنصدقهم في وصفهم الجائر للمبادئ الأخرى، وفي ذلك تشويه ما بعده تشويه؛ إذ إن بعض المبادئ يكون بذلك حقًّا، وبعضها الآخر باطلاً في أذهان الناس.
ومنها أيضًا إنشاؤهم أكاديمية علميَّة للمقارنة بين الأديان، وإعلانهم عنها بأنهم سوف لا يخضعون في أحكامها وقراراتها للأهواء والعواطف الدينية؛ بل سوف يعطون كل ذي حق حقه؛ كما تهديهم إليه عقولهم وبحوثهم الخاصَّة لقوانين البحوث العلمية، المجردة من التعصب والانحياز.
مع ذلك نرى نجد أكاديميتهم العلمية - كما يقولون - لم تغير الزاوية التي كانوا ينظرون منها إلى الإسلام قبل ذلك، ولا تزال أحكامُهم تُشْعِرُ بأنَّها صادرةٌ عنِ التَّعصُّب، والتحيُّز إلى دينهم، فإنَّهم ما داموا قد جعلوا مبادئهم مقياسًا عامًّا - حتَّى في أكاديميتهم - فلا يُمكِنُ أن تظهر الحقائق أو يصلوا إليها، وبالتالي فلا يوثق بما يصدرون من النتائج العلمية فيها.
إذًا لا بدَّ من أن نُحدِّد موقِفَنا منهم؛ وذلك بألا نصدق ما يصدرون؛ لظهور سوء نياتهم، وقلبهم للحقائق وتغطيتها بالأباطيل، وأن نعتبر مبادئ الإسلام مقياسًا وميزانًا للمبادئ الأخرى، ولا نكون بذلك دوجماطقيين[3] على حد تعبيرهم؛ بل هم دوجماطقيون في الحقيقة؛ فإنهم يتظاهرون بمظهر مَن يحب الفكرة الفلسفية الحرة، والاتِّجاه الفلسفي في البحوث، الذي لا يرى إلا الوصول إلى الحقائق؛ فإذا بنا نراهم رأي العين دجماطقيين في فكرتهم، وفي اعتقادهم، وفي بحوثهم؛ لا يخضعون للحق وإن ظهر أمامهم كالشمس، ويتمسَّكون بمبادئهم ولو كان بطلانها واضحًا.
إلى جانب هذا لا نقف سلبيين، ولا نكتفي بِمُجرَّد الدِّفاع؛ بل نتَّخِذُ أسلوب الهُجوم الدِّفاعي؛ ندافع عن ديننا، وفي نفس الوقت نهاجم مبادئهم المحرَّفة عن أصل المنهاج الإلهي، واتِّجاهاتهم الخادعة، كما نبيِّنُ في نفس الوقت حكمةَ مبادِئِنا، وفَلْسَفَتِها الحقيقية.
نعم ما كنا بحاجةٍ إلى هذه الرُّدود، وكان من الممكن أن نتركهم وما يخوضون؛ ولكن هجومهم الجائر على الإسلام والمسلمين لا يتردَّد صداهُ بيْنَ المُسْتَشْرِقين وَحْدَهُم؛ لأنَّهم يُعْلِنونه بيْن جماهير شعوبِهم؛ بل يتخطَّوْنَ حدودَهُم فيَنْشُرون قَدْحَهُم واتِّهاماتِهم بين الأمم كلها، فبهذا يجعلون الناس يكرهون الإسلام والمسلمين.
من أجل هذا وذاك لا بد من أن نناقشهم، ونرد عليهم بكل شجاعة واعتزاز، ثم نقارن بين مبادئنا ومبادئهم؛ حتى يرى هؤلاء وأولئك مدى سمو مبادئنا، ورفعة شأنها، وعلوها من جميع الجهات، وأعتقد أننا لو استطعنا إظهار فلسفة الإسلام - كما هي - فإنها كفيلة بدحض كل الحجج ضدها، وإخضاع كل متنكر لها.
لهذا فعلينا أن نُحَدِّد موقِفَنا إزاء السياسة بوجه عام بما يأتي:
1- عدم اتِّخاذ الإسلام في أيِّ موقف من المواقف وسيلة لأغراض سياسية، وإعلان الحرب على من يَتَّخِذُه وسيلةً لَها.
2- عدم التعاون مع أي حزب أو طائفة أو مذهب يتخذ الإسلام شعارًا له؛ إلا بعد البحث عن حقيقته، وأهدافه البعيدة، والدوافع التي دفعته إلى تكوينه؛ لنعرف مدى صلته بالإسلام، وإخلاصه له؛ لأنَّنا قد عرفنا كثيرًا من الجماعات أضرَّت بالإسلام والمسلمين باسم الإسلام. 
  3- أن نكون على حذر تام من الأعداء؛ ولا سيما المستشرقين، ومن الذين يدعون إلى الإسلام، ولهم صلات بأعداء الإسلام؛ لأن أعداء الإسلام من سياستهم اتخاذ العملاء لهم من المسلمين؛ لقضاء مآربِهم بواسطتهم ضد الإسلام والمسلمين.
(2) الفلسفة 
وكانت الفلسفة هي العامل الثاني من العوامل التي أدت إلى تعقيد روح الإسلام، وتشويه جوهره؛ ذلك أنها عندما انتقلت إلى العالم الإسلامي بواسطة الترجمة؛ فإنها قد أثارت موجة من الشك، انتشرت في جميع الشعوب الإسلامية.
وكان هذا الشك الذي أثارته شاملاً لجميع جوانب الإسلام، وكل القيم والمبادئ التي جاء بها، وليس هذا ببعيد عن الفلسفة؛ بل إنه نتيجة ضرورية لها في بداية الطريق، أو المرحلة الأولى من إنشائها؛ لأن من منهجها الشك في قيمة الشيء قبل أن تصدر حكمها عليه، وبذلك تجعل نفسها حاكمًا عامًّا على كل القيم؛ بل على الوجود كله أيضًا.
وكانت الطامة الكبرى على الإسلام والمسلمين حين عظمها العلماء الذين اشتغلوا بها، وأعطوها حق هذه السلطة العليا، كما فعله البعض، أو رفعوها إلى منزلة الإسلام على الأقل، كما فعله البعض الآخر.
عند ذلك حاولوا التوفيق بين الإسلام والفلسفة، بين المبادئ الإسلامية والمبادئ الفلسفية، واتخذوا منهاج الفلسفة وبراهينه في الاستدلال على العقائد الإسلامية، وإزالة الشبهات والشكوك في الأمور الكلية أو الجزئية التي أثارتها الفلسفة، أو أثاروها هم أنفسهم بسببها.
ويا ليتهم نجحوا في التوفيق بين الفلسفة والإسلام في كل المواضع التي حاولوا التوفيق فيها، ويا ليتهم استطاعوا إزالة الشكوك عن المواضع التي شككت فيها، بطريقة مقنعة.
بل في سبيل التوفيق حرَّفوا بعض المفاهيم الإسلامية عن مواضعها حينًا، وقد أدخلوا في الإسلام من المبادئ الفلسفية حينًا آخر، وفي سبيل دفع الشكوك والشبهات التي أثارتها الفلسفة أثاروا شبهات أخرى بطريقة جدلية، اتَّخذوها أُسلوبًا لهم في الدفاع والنقاش.
وفي هذه الحالة اتَّسعتْ شُقَّة الخلافِ بَيْنَ العُلَماء، وكثُرَتِ الفِرَقُ في الأُمَّة، وبقي كثير من الناس في حيرة من أمر دينهم، وبذلك تحقَّقتْ كهانة أحد مطارنة قبرص، عندما استشاره رئيسهم في إرسال هذه الكتب الفلسفيَّة إلى المأمون حين طلبها منه؛ قال: الرأي أن نستعجل بإنفاذها إليه؛ فما دخلت هذه العلوم العقليَّة على دولة شرعية إلا أفسدتْها وأوقعت بين علمائها، فأرسلها إليه[4].
وليس معنى ذلك أنَّ الإسلامَ يُخالف العقل أوِ الفلسفة، وإن خالفَ عقليَّة بعض الأفراد؛ لأنَّ عقليَّة الأفراد جزئيَّة لا تمثل مفهوم العقل ككل؛ وإلا لما كان هناك اختلاف بين الناس عامة، وبين الفلاسفة بوجه خاص، وليس في استطاعة أحد الاستدلال على أن فلسفة رجل معين أو عقليته يمثل العقل بمفهومه الكلي.
 إذًا لا نستطيع أن نقول إن الإسلام يخالف العقل أو الفلسفة؛ إذا خالف عقل رجل معين أو فلسفته، وإذًا ليس من الحكمة أبدًا محاولة التوفيق بين الإسلام والفلسفة في كل موضع، إذا بدا هناك تعارض، وإنه من الخطأ أيضًا محاولة إخضاع المفاهيم الإسلامية كلها للمفاهيم الفلسفية؛ إذ لا يكون ذلك في كثير من الحالات إلا بحمل النصوص الإسلامية على ما لا تطيق، وتأويلها تأويلاً بعيدًا عن روحه؛ وهذا لا شك إخراج للدين عن طبيعته السهلة المستساغة لدى العامة والخاصة، إلى مفاهيم معقدة.
وكان دافع العلماء إلى التوفيق هو اعتقادهم عصمة الفلسفة، إلى جانب اعتقادهم عصمة الإسلام، وإذا كانت الفلسفة حقًّا، والإسلام حقًّا؛ فلا بد أن يتفقا؛ ولهذا حاولوا التوفيق بين المبادئ الإسلامية والمبادئ الفلسفية من جهة، وبين آراء الفلاسفة المختلفة أو المتناقضة من جهة أخرى.
وكان الفارابي وابن سينا وابن رشد وإخوان الصفا أشخاصًا بارزين بين الذين سلكوا في هذا الاتجاه؛ الاتجاه نحو التوفيق بين الدين والفلسفة، مع تفاوت بينهم في الإدراك والمحاولة، وقد أخذت صورة التوفيق نمطين مختلفين:
النمط الأول: وهو عبارة عن شرح الحقائق الدينية المجملة بالآراء الفلسفية المفصلة.
فابن سينا مثلاً يُفَسِّر قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35].
فإنه فسر هذه الآية بالأفكار الفلسفيَّة الأفلاطونية المحدثة؛ ففسر النور: بالخير، والسماوات والأرض: بالكل، والمشكاة: بالعقل الهيولاني[5]، والمصباح: بالعقل المستفاد، والزجاجة: بالواسطة، وشجرة مباركة زيتونة: بالقوة الفكرية، ولا شرقية ولا غربية: فسرها بلا القوى المنطقية ولا القوى البهيمية، والنار: فسرها بالعقل الكلي المدبر للعالم المشاهد[6].
وهنا مثال للتعسف في تأويل هذه الآيات، وتحويل معانيها السهلة إلى اصطلاحات فلسفية معقدة، كما ندرك مدى التشويه الذي يطرأ على معاني الآيات بهذه التفسيرات البعيدة عن روح الإسلام.
وإخوان الصفا قد فسروا العرش والكرسي: بالأفلاك، فالكرسي هو الفلك الثامن، وهو ملك الكواكب الثابتة الواسعة، المحيط بالأفلاك السبعة تحتها، أدناها القمر ويليه عطارد، وفوقه الزهرة، ومن بعده الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل.
كما فسروا السماوات السبع بهذه الكواكب السبع المتحركة، والعرش: هو الفلك التاسع الثابت، المحيط بجميع الكواكب الثمانية تحته[7]، كما سار على هذا المنوال الفارابي في تفسير بعض الآيات والمفاهيم الإسلامية.
ومن أراد الاطلاع على تفسيرات هؤلاء بالتفصيل، فليرجع إلى كتبهم؛ ليقف تمامًا على مدى التعسف الذي ارتكبوه من أجل التوفيق.
النمط الثاني: وهو تأويل الحقائق الدينية بِما يتَّفِقُ مع المبادئ الفلسفية.
وهذا النمط أخطر من سابقه؛ لأنه يؤدِّي إلى الخَلْطِ والمزج بين الدين والفلسفة، وبالتالي يُؤَدِّي إلى تَغْيِير طبيعة كل واحد منهما.
وكان على رأس الذين اتجهوا هذا الاتجاه في التوفيق: الفارابي وابن سينا، ثم ابن رشد، غير أن توفيقه أدق وأبعد عن التعسف والشطط اللذين وجدناهما عند السابقين.
فقد حاول الفارابي: التوفيق بين رأي الإسلام في حدوث العالم ورأي الفلسفة في قدمه؛ فقال مرَّة بحدوثه؛ باعتباره أثرًا لله؛ وذلك إرضاء للدِّين، وقال مرة بقدمه إرضاء للفلسفة؛ وذلك باعتبار أنَّ العالم حدث لا في زمان؛ فهو في التصور الزماني قديم.
ومِثْلُ هذه النَّتيجة المُضْطَربة التي انتهى إليها في مُحاولته في هذه النقطة - كانت النتيجة التي وصل إليها في كثير من الموضوعات؛ مثل الثنائيَّة[8] بين الفلسفة والدين، وطبيعة النفس ونظرية الفيض، وما إلى ذلك من الموضوعات التي فشل فيها فشلاً ذريعًا، وما فشل إلا لمحاولته التوفيق بين رأيين متناقِضَيْنِ.
هذه بعض الأمثلة قدَّمْنَاها؛ لتكون لدينا دليلاً على صدق ما ندعي من أن اتجاه التوفيق بين الإسلام والفلسفة في كل موضوع - اتِّجاه خاطئ، قد أدى إلى تعقيد الإسلام، كما أدى إلى تعقيد الفلسفة في نفس الوقت.
ومِمَّن تأثَّر بالفلسفة أيضًا كثير من علماء الكلام أو التوحيد، وكان تأثُّرهم هذا واضحًا كل الوضوح في برهنتهم على وجود الله وعلى وحدانيته؛ إذ إنهم في استدلالهم على وجود الله تأثروا - إلى حد كبير - بالأدلة الفلسفية الموروثة، وكادوا أن يقصروا نظرهم عليها، وأن يكتفوا بها، ذلك أنَّنا عندما نستقرئ أدلَّتَهُم على وجود الله؛ نَجِدُ أنَّها تَهتمُّ وتعتمد على دليل جوهر الفرد، ودليل الإمكان أو الوجوب، ودليل العِلَّة والحدوث، وما أشبهَ ذلك.
وهذه الأدلَّة الفلسفيَّة أدلَّة مُعقَّدة، جامدة، بليدة، لا تُثِيرُ النفس، ولا تقوي الإيمان، وبعبارة أوضح فإنَّها لا تَخْلُق في النفس الإيمانَ القويَّ، الإيمان الحي النابض، ومن جهة أخرى فإنَّها غَيْرُ مُستساغة، لا تتلاءَمُ مع عقليَّة العامَّة، ولا يهضِمُها إلا كِبَارُ العُقُول، وأحيانًا تترك في جوانبها الشكوك والحيرة، وتؤدي إلى جَدَلٍ عقيم.
أمَّا الأدلَّة التي اعتَنَى بِها القُرآن، والتي لم تَلْقَ من هؤلاء كبير الاهتمام هي دليل الاختراع، ودليل العناية، هذه الأدلة هي أدلة القرآن؛ لأنها أدلة عامة تلائم جميع العقول، ولا تترك في جوانبها شيئًا من الشكوك، إضافة إلى هذا فإنها أدلة حية، تخلق إيمانًا حيًّا.
وكما تأثروا بالمنهج الفلسفي في الاستدلال على وجوده تعالى، تأثروا أيضًا بالجدل المنطقي في مناقشة العقائد الإسلامية؛ فبحثوا عن أمور في العقيدة كانوا في غنى عنها؛ مثل هل الصفة عين الموصوف أم هي زائدة عليه؟ وهل الوجود عين الموجود أم غيره؟ وهل صفات الله قديمة أم حديثة؟ وهل كلام الله قديم أم حادث؟ وهل يخلق الله بإرادة قديمة أم حادثة؟
وفي سبيل الإجابة عنها قدَّموا فروضًا عجزوا عن الوصول إلى نتيجة مرضية في كثير من الموضوعات؛ مثل هذه البحوث في مثل هذه الأمور التي تدور حول العقيدة - قد أدَّتْ بِهِم إلى التَّفْرِقة فيما بينهم وبين أتْباعهم أيضًا، وإلى تعقيد العقيدة الإسلامية بعد أن كانت سهلة واضحة.
كما أنَّ هذه التَّصرُّفات قدِ استنفَدَتْ مِنْهُم مَجهوداتٍ عقليَّة، لو بَذَلُوها في ميدان العلم التجريبي لقطعوا به مرحلة واسعة النطاق؛ فأفادهم في حياتهم المادية من جهة، وأفادهم أيضًا في الوقوف على آيات الله في الكون من جهة أخرى[9].
من أجل هذا فإن الصحابة - رضي الله عهم - كانوا يتجنَّبون البحث في هذه الأمور، وكانوا يُعْنَوْنَ بِنَشْرِ الإسلام بَيْنَ الشُّعوب، والتَّفكير في الآيات الكونيَّة، إلى جانب عملِهم من أجل دنياهم؛ ولهذا عاشوا متَّحدين أقوياءَ الإيمان، عمليِّين بدلاً من أن يكونوا جدليِّين.
وكما تأثَّر بالفلسفة علماءُ الكلام، كذلك تأثَّر بِها الصوفية، فأدخلوا في الإسلام من المفاهيم الفلسفية، والتَّصوُّرات الفلسفيَّة البعيدة عن التَّصوُّر الإسلامي ومفاهيمه، وسوف نشرح هذا بشيء من التفصيل في موضوعه الخاصِّ.
ولست أريد بنقد هذا الاتجاه الخاطئ من العلماء التشنيع عليهم، والنيل منهم، والتقليل من جهودهم في سبيل الإسلام؛ فإنَّني إن كنت نقدتهم في عمل من أعمالهم، أو اتجاه من اتجاهاتهم في موقف معين، أو إزاء دراسة معينة؛ فليس معنى ذلك أنَّني أنقدهم في كل موقف وقفوا فيه، أو في كل عمل عملوه.
ولا أقول: إنَّهم منحرفون عن الدراسة الصحيحة عن قصد؛ وإنما أقول: ربما أرادوا الصواب فأخطؤوا الطريق الذي يوصلهم إليه، وأرادوا الدفاع عن الإسلام فاتخذوا وسيلة ظنوا أنهم بذلك يستطيعون الدفاع بها، فكانت عكس ما توهموه.
وإن كل ما أريده هو تنبيه علماء اليوم إلى الاتجاه الخاطئ؛ حتى لا يقعوا فيما وقع فيه السابقون، وليبعدوا الإسلام عن المفاهيم المعقدة، التي لحقت به من جراء خطئهم.
بعد هذا أود أن أبيِّن أيضًا: أنني لست عدوًّا للفلسفة، ولست من المانعين لقراءتها وتدريسها؛ بل إن الفلسفة في نظري قد تساعدنا على فهم فلسفة الإسلام، كما تساعدنا في فهم كثير من القضايا الإنسانية في مراحل تاريخها الطويل، ومدى تطوُّر التفكير الإنساني كلما يقطع مرحلة من مراحل حياته؛ هذا إلى أنَّها تسمو بالفكر الإنساني على مستوى المحسوسات، وتأخذ بيده ليطوف به في أجواء خارج هذا العالم المحسوس.
إن كل ما أريده هو عدم الخلط بين الفلسفة والإسلام؛ بين معنى المبادئ الإسلامية وبين المبادئ الفلسفية، بين التصور الإسلامي وبين التصور الفلسفي، وأن لا نتخذ منهج الفلسفة وسيلة لفهم الإسلام وتفسير فلسفته.
 كما يجب علينا عدم إخضاع الحقائق الإسلامية لأحكام الفلسفة وقضاياها، أو بعبارة أخرى: عدم وزن القيم الإسلامية بالموازين الفلسفية، وعدم محاولة التوفيق بين الفلسفة والإسلام في كل قضاياها، وفي كل موضع؛ لأن الأولى ليست بمنزلة الثانية؛ حتى نكلف أنفسنا بتأويل الآيات أكثر مما تطيق للتوفيق بينهما.
وأخيرًا يجب إظهار فلسفة الإسلام بكامل شخصيتها، مع الإحاطة بكل جوانبها، بعيدًا عن خلطها بالفلسفات الأخرى أيًّا كان نوعها؛ لأن الفلسفة ليست كلها حقًّا في ذاتها، ولا في كل مبادئها، وليس الفلاسفة بمعصومين، في حين أن الإسلام بخلاف ذلك؛ فإنه كله حق؛ لأنه موحى من عند الله، وهذه الحقيقة يجب أن نتنبه إليها دائمًا.
اختلاف طبيعة الدين وطبيعة الفلسفة
لقد عرضنا فيما سبق كيف أدى اختلاط الفلسفة بالدين إلى تشويه روح الدين، كما بينا أن محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة محاولة خاطئة، تؤدي إلى أضرار بالغة الخطورة في النهاية؛ ذلك أن طبيعة الدين تختلف عن طبيعة الفلسفة من جهتين مهمتين:
الأولى: أن الدين أساسه الوحي، بينما نجد أن أساس الفلسفة هو الآراء والأفكار، أو العقل النسبي، والوحي والعقل النسبي (العقل البشري، عقل محمد وعلي وأبي بكر) قد يتفقان وقد لا يتفقان، قد يتعارضان وقد لا يتعارضان؛ فإن عقل الإنسان قد يستطيع إدراك معقولية جميع جوانب الإسلام ومبادئه، وقد لا يدرك؛ وعلى هذا الأساس فعندما نحاول التوفيق لا بد من إرجاع أحد الطرفين للآخر.
فمن هنا يجب أن نعتبر أحد الطرفين معيارًا، فإذا جعلنا الدين معيارًا فمعنى ذلك أننا أخضعنا الفلسفة للدين، ومعنى ذلك أيضًا أننا جعلنا الفلسفة دينًا، وإذا جعلنا الفلسفة معيارًا فمعنى ذلك أننا أخضعنا الدين للفلسفة؛ أي أننا جعلنا الدين فلسفة، وإذا جعلنا الطرفين معًا معيارين متقابلين، فمعنى ذلك أننا رفعنا مستوى العقل إلى مستوى الوحي، وهذا لا يجوز؛ لأن مستوى الوحي فوق مستوى العقل البشري.
الثانية: أن الدين لا يقبل التطور من حيث المبادئ العامة، فلا نستطيع أن نضيف إليه عقيدة جديدة أو نظرية جديدة، ولا نستطيع أن نحذف منه شيئًا، وإلا يخرج الدين عن طبيعته الأصلية بمرور الزمان.
أما الفلسفة بخلافه؛ لأن مجالها واسع، ويمكن أن يتطور، ويمكن أن نضيف إليها النظريات الجديدة، كما وقع بالفعل في مختلف الفلسفات، وكذلك يمكن أن نحذف منها شيئًا.
فإذا نحن وفقنا بين الدين وفلسفة عصر معين، فإننا لا بد من أن نغير مفهوم الدين في كل عصر وفقًا لتطور الفكر الفلسفي، وبذلك نكون قد جعلنا الدين تابعًا ذنيمًا للفلسفة.
بقي شيء آخر هام لا بد من إيضاحه، وهو أن هذه الفلسفة الإسلامية المتداولة الآن إذا كانت ليست فلسفة إسلامية حقًّا، وإذا كانت لا تعبر عن الفلسفة الإسلامية - فما هي الفلسفة الإسلامية؟ وكيف ندرسها ونستخرجها كاملة إلى حيز الوجود؟
وللإجابة عن السؤال الأوَّل نَقُولُ: إنَّ الفلسفة الإسلاميَّة هي الفكر الإسلامي الذي يُعالَجُ به جميع القضايا الفلسفية، أو هي الرأي الإسلامي في جميع المجالات الفلسفية، التي تشمل كل القضايا الإنسانيَّة التي لا يُمكن معالجتها عن طريق العلوم التجريبية، أو التي لا تخضع وتدخل في نطاق المعمل العلمي؛ إذًا فهي تشمل دراسة الأخلاق والعقائد والعبادات، والسياسة والاقتصاد، والدراسات النفسية والروحية والعقلية، وهنا قد يقول القائل: إن هذه القضايا قد درسها رجال الإسلام أيضًا من قبلنا؛ فالفقهاء درسوا العبادات والاقتصاد والسياسة، والمتكلمون درسوا العقائد، والصوفية درسوا الأخلاق، والفلاسفة المسلمون درسوها من الوجهة الفلسفية.
فماذا يكون موقفنا من هذه الدراسات؟ ومن أين نبدأ؟ وأين ننتهي؟ وكيف يكون منهجنا في هذه الدراسات؟ هذه الأسئلة الثلاثة مجتمعة تحدد جوانب الإجابة عن السؤال الثاني الذي سألناه من قبل، وهو كيف ندرس هذه الفلسفة ونستخرجها إلى حيز الوجود كفلسفة متكاملة متناسقة، تمثل حقًّا الفلسفة الإسلامية الحقيقية؟ إن منهجنا لدراسة الفلسفة من جديد يتلخص في النقط التالية:
أوَّلاً: نبدأ من الإسلام، فنجعل أرضيَّة دراستنا هي الإسلام (النصوص الإسلامية)، فكل دارس يأخذ قضية معيَّنة من القضايا السابقة أو جزءًا منها كموضوع الدراسة، ويعالجها من وجهة النظر الإسلامية، أو من وجهة الفكر الإسلامي بادئًا من النصوص الإسلامية (القرآن والسنة).
ثانيًا: أن نحدِّد موقِفَنَا من دراسات السابقين، باتِّخاذها وسيلة من وسائل الفهم؛ لنستفيد من مَجهود الفهم، ولكن لا نأخذ كل دراساتهم مأخذ القبول، ولا نتخذها كبداية ولا كنهاية؛ لا نأخذها كبداية نبدأ بها، ولا كنهاية ننتهي إليها؛ وإنَّما نكون واسطةً بيْن البداية والنهاية.
والخطورة كل الخطورة أن نتخذ هذه الدراسات كبداية ونهاية، وإلا نكون قد أدخلنا أنفسنا في متاهات قد لا نستطيع أن نخرج منها، أو نكون قد أدخلنا أنفسنا في معمعة من الدراسات، ندور فيها كحلقة مفرغة لا ندري أين طرفاها.
وعلى كل؛ سواء استطعنا أن نخرج منها أو لم نستطع، فإننا بذلك لا نستطيع أن نقدم شيئًا سوى أن نقدم رأيًا على رأي، أو التوفيق بين الرأيين، أو إبطال البعض وإبقاء البعض الآخر.
ولكننا بذلك لا نكون قد خدمنا الفلسفة الإسلامية، وإنما نكون قد خدمنا فلسفة هؤلاء الرجال، ونحن لا نريد الآن أن نخدم الرجال؛ وإنما نريد أن نخدم الإسلام؛ ولهذا قلت لا بد أن يكون الإسلام هو البداية وهو النهاية في نفس الوقت.
ثالثًا: أن يكون هدفنا هو معالجة المشاكل الفلسفية المعاصرة المتصلة بحياتنا الراهنة، المشاكل الإنسانية الفلسفية التي يعاني منها الناس جميعًا، نعالج هذه المشاكل من زاوية الفلسفة الإسلامية الصافية، لا من زاويتنا، ولا من زاوية التيَّارات الفكرية الفلسفية المعاصرة، ولا من زاوية آراء السابقين.
وبذلك نستطيعُ أن نقدِّمَ الفلسفة الإسلامية الصافية، ونستطيع أن نعالج مشاكلنا عن طريق فلسفتنا الإسلامية، وبذلك نَجعل الفلسفة الإسلامية تساهم في حل مشكلاتنا خاصة، ومشكلات الإنسانية الفلسفية عامة.
(3) الطرق الصوفية
وكانتِ الطرق الصوفيَّة أيضًا من جملة العوامل التي أدت إلى تشويه المفاهيم الإسلامية، ويجب أن يعرف أوَّلاً أنَّ هناك فرقًا شاسعًا بين مفهوم التصوُّف في الإسلام وبين تصوُّف المتأخِّرين الذي يتمثَّل في الطُّرُق الصوفيَّة، فإنَّ هذه الطُّرق قدِ انْحَرَفَتْ عن أصْلِها الإسلامي، وإذا أشَرْنا إلى تاريخِها بالإيجاز، وبيَّنَّا كيف زاد انْحِرافُها كلَّما قطعت مرحلة من مراحل حياتها - عند ذلك فسوف يتَّضِحُ ما قُلْنَا.
وقبلَ هذا أوَدُّ أن أُبَيِّنَ مصدر كلمة صوفي؛ قيل إنَّها منسوبة إلى صوفة؛ اسم رجل كان يعبد الله في البيت الحرام، وقيل إنَّها منسوبة إلى الصوف؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يحب لبسه، لأنَّه علامة الخشونة والخضوع، وقيل إنها منسوبة إلى الصفاء، وقيل إنها منسوبة إلى سوفيا، وهي كلمة يونانية ومعناها حكمة؛ غير أن أنسب الأقوال هو أنها منسوبة إلى الصوف، وتؤيدها الصيغة الصرفية.
وعلى أي حال فإنَّ التصوُّف في عهد الرسول كان عماده الزهد والتعبد والخشوع، وغايته نيل رضوان الله، والخوف من عقابه وعذابه، وإن لم يكن هذا الاسم يطلق على مَن كانت سيرتهم هذه في ذلك العهد، وإنما كان يسمى من عرف بهذه السيرة بالتقي أو العابد.
 ثم تطور هذا المفهوم إلى أن صار هدفه هو التعبُّد لله حبًّا له، لا رغبة في رضاه، ولا طمعًا في ثوابه، ولا خوفًا من عقابه.
وفي المرحلة الثانية: من تطوُّره تدخَّلتْ فيه المبادئ الأجنبيَّة؛ دينيَّة كانت أم فلسفية، أو ممزوجة بهما جميعًا.
وفي المرحلة الثالثة: حصل تطوُّر مرَّة ثانيةً في غايته؛ إذ إنَّها أصبحتْ تَنْحَصِرُ في مُطالعة الذَّات الإلهيَّة، ومُشاهدة الجمال الإلهي الأزلي.
وفي المرحلة الرابعة: وصل إلى قمة الانحراف؛ فاتصل بالظريات الغريبة على الإسلام، المتباينة مع مبادئه؛ مثل نظرية الفناء في الله، ووحدة الوجود، والاتحاد أو الحلول، وغيرها من المبادئ التي انتقلتْ إلى العالم الإسلامي من الشَّرق والغرب إبان اتِّصاله بِهما.
وفي المرحلة الأخيرة[10] ظهرت هذه النظريات وتلك المبادئ في ثياب التصوف عارية مكشوفة، وأصبح التصوف اتجاه طائفة أو جماعة من الناس، تؤلف فيه الكتب الممزوجة بالمبادئ الإسلامية والفلسفية والديانات الأخرى معًا.
ومِن ثَمَّ بدأ يَختلِفُ المتصوِّفُون فيما بَيْنَهُم، ويَذْهَبُونَ مذاهِبَ شتَّى وطرائِقَ قِدَدًا، حتَّى أصبحتْ هُناكَ عشراتُ الأنواع من الطريقة الواحدة، لها طريقةٌ معيَّنة في التسبيح والتهليل مع تزمير المزامير وضرب الدف، وكل واحدة تدَّعي لنفْسِها أنَّها على حق والأخرى على باطل، كما يدعي بعضهم بأنَّه يتَّصل بالمغيبات، ويظهر الخوارق للعادة، وأنه يشفي المريض بنفخة في وجهه أو لمسة بيده، ويقولون بعض الكلمات يظهرون بها أنفسهم أنَّهم أولياء؛ مثل قولهم ما في الجبة إلا الله، أو أنا الحق، وغيرها من الكلمات، التي ما كان الرسول يقولها ولا صحابته الكرام من بعده مع علو منزلتهم وسمو مكانتهم عند الله.
وقد لا يرضى عن هذه العبارات أتباعُهم؛ لأنهم يحاولون دائمًا الدفاع عما صدر منهم من كلمات لا يرضى عنه الإسلام غير أن ما نعلمه من صورة الولاية وسيلة لكسب المعاش وأثر هذه الكلمات في إظهار أنفسهم بمظهر الولاية في نفوس الناس.
هذه الأمور وغيرها تدفعنا إلى عدم الثقة بهم، حقًّا نحن لا ننكر وجود الصالحين منهم، ولكنني عندما أتكلم إنما أتكلم عن الظاهرة بوجه عام.
ومن مظاهر هذه الطرق الصوفيَّة أنَّها تدعو إلى تَرْكِ الدُّنيا والعَمَلِ من أجْلِها، وعدم الاعْتِناء بِشُؤُونِ الحياة، أو بعبارةٍ أوْضَحَ أنَّها تدعو إلى الكَسَلِ والشَّعْوَذَة، والدَّعة والتكاسل، والاهتمام بالروح ومطالبها وحدها، وهذا الاتجاه أقرب إلى اتجاه المسيحية منه إلى الإسلام؛ ذلك أن المسيحية تتَّجه دائمًا إلى الاعتناء بالروح، أما الإسلام فإنه كما يعنى بشؤون الروح يعتني بمثله بأمور الدنيا، وقد بينا ذلك في الفصل الأول بالتفصيل.
أضف إلى هذا أن تعدُّد هذه الطرق تشجع أعداء الإسلام على تشويهه بالوسائل المختلفة، حينًا بفتح طريقةٍ ظاهرُها إسلامي وباطنها حرب عليه وعلى مبادئه، وحينًا آخر بالهجوم عليه بأنه دين تأخر وخرافة؛ حتى إن كثيرًا من المسلمين الذين يجهلون حقيقة الإسلام أساؤوا الظن بالإسلام؛ لأنَّهم حين رأَوْا هذه المظاهر الشَّعْوَذِيَّة من أهل الطرق - ظنُّوا أنَّ ذلك انعكاسٌ لِرُوح الإسلام، وأن الإسلام يأمر بذلك ويدعو إليه.
بقِيَ أن نُبَيِّنَ بعد هذا أنَّ هذه الطُّرُقَ بِدْعَةٌ مُخالِفةٌ لِسُنَّة العبادة التي أكملها الإسلام شكلاً وموضوعًا، فإنَّ أيَّ تَغييرٍ فيها بالزِّيادة أو النقص يُعْتَبَرُ بِدْعَةً، وإذا أوْرَدْنا تعريفَ البِدْعة لدى العُلماء فَسَوْفَ نَجِدُ أنَّه مُنْطَبق عليها؛ فقد عرفها بعض العلماء بأنَّها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية، أو يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله، وعرفها الآخرون بأنها كل ما وجد وحدث بعد الرسول، وإن كنتُ أرجِّح تعريف الأول؛ لسبب آخر أذكره بعد قليل، فإن كلا التعريفين على أية حال ينطويان عليه.
 وقد يستدل هؤلاء بصحة هذه الطرق بدعوى أنها من البدعة الحسنة، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن سن في الإسلام سُنَّة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة؛ كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا))[11].
ولكن ليس معنى هذا الحديث أنه يدعو إلى الاختراع في الدين؛ فإن جانب العبادة والعقيدة لا يقبل الاختراع بأي حال من الأحوال، بدليل أن الرسول أنكر على الجماعة الذين عزم بعضهم بأنه يصوم الدهر، والآخر أنه يقيم الليل كله، والثالث أنه لا ينكح النساء أبدًا، وما ذلك إلا لأنهم تجاوزوا حدود العبادة وزادوا عليها، وكذلك منع الله الزيادة على العبادة المقررة[12]، فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}[13] [المائدة: 77]، والغلو هو الزيادة والتشدد في أمر الدين.
وأما مجال الحديث ((من سن سنة حسنة... إلخ)) ففي جانب التشريع وأمور الدنيا، بدليل أن الرسول أباح إعمال العقل في هذا الميدان، فهو حين أرسل معاذ بن جبل أباح له إعمال عقله فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة.
يدل على هذا أيضًا أقواله في تأبير النخل، وحفر الخنادق، واختيار أحسن موقع في حرب بدر، مثل هذه الأمور من السنة الحسنة، ومنها أيضًا اختراع عمر الديوان، واختراع الصحابة تدوين الأحاديث.
وعلى هذا فإن معنى السنة الحسنة هو الإرشاد والهداية، وبيان طريق الخير للناس في شؤون الدنيا، والبدعة السيئة اختراع طرق للشر والفساد.
هذا وقد جاء الخطأ حينًا من الخلط بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية؛ فالبدعة الحقيقية ما خالف الدين شكلاً وموضوعًا، والبدعة الإضافية ما خالف الدين شكلاً لا موضوعًا.
وقد غاب على كثير من الناس هذه الحقيقة، فظنوا أن البدعة الإضافية مشروعة، لها سند من الدين؛ لوجود أصل لها ثابت في الدين من حيث الموضوع، فليس فيها تغيير إلا من حيث الشكل، فمثلاً نجد أن أصل الصلاة على النبي ثابت بالنص، ولكن تركيبها مع الأذان غير ثابت، فهذا التركيب بدعة إضافية؛ لأنه ثابت موضوعًا لا شكلاً.
ومثال آخر وهو أنه إذا كان التسبيح ثابتًا بالنص، فليس لأحد أن يزيد في عدد ركعات الصلاة المفروضة، بدعوى أنه بذلك يكثر التسبيح وذكر الله.
روي عن ابن عباس  - رضي الله عنه - أنه مر يومًا بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى حلقات من الناس وفي أيديهم حصى، فيقول أحدهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، ويقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فقال: "ما تصنعون؟!"، فقالوا: "حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح"، فقال: "ويح أمة محمد! ما أسرع هلكتكم... أومفتتحو باب ضلالة"، فقالوا: "ما أردنا إلا الخير"، فقال: "كم من مريد للخير لم يصبه"، وقال أيضًا: "اتبعوا، ولا تبتدعوا فقد كفيتم".
فهذا دليل على أنه لا يجوز الابتكار في شؤون العبادة، وكأن ابن عباس قال ذلك استنادًا إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ومَنْ عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)).
هذا شأن العبادات؛ لا اجتهاد فيها ولا استنباط؛ لأن الله أكملها وحددها شكلاً وموضوعًا على الهيئة التي أراد بها عبادته، فلا يحق لنا أن نتدخل فيها بتغيير شيء من ذلك كمًّا أو كيفًا.
ثم إن العبادة لا تتأثر بتطور الزمان والمكان، بخلاف ذلك جانب التنظيم والتشريع من الإسلام، فإن الإسلام أكمل هذا الجانب من حيث وضع الأسس العامة والنظريات الرئيسية، أما تحديده من حيث جميع الجزئيات والشكليات، فذلك متروك للناس في كثير من الأحوال، ينظمون حياتهم بتنظيمات وشكليات تخضع لهذه الأسس العامة؛ لأنَّ هذا الجانب تتأثر بتطور الزمان وتطور حياة الناس، فلا بد أن تكون فيها شيء من المرونة، ولا يضل الناس مهما تغيرت الحياة وتطورت ما داموا سائرين على هدي هذه الأسس؛ لأنها طريق واضح أمام المسلمين لكل زمان ومكان، وسوف أتناول هذه النقطة بشيء من التفصيل في موضعها المناسب في الفصل الآتي إن شاء الله.
بعد هذا بقي أن نحدد موقفنا من هذا العامل.
موقفنا من هذه الطرق 
ثبت في هذا البحث مدى خروج الطرق الصوفية عن المنهج الإسلامي، سواء كان من حيث اتجاهها العام في الحياة، أو من حيث مزج مفاهيمها بالمبادئ الفلسفية والديانات الأخرى، أو من حيث إن مراسمها المختلفة التي اخترعوها للتعبد - بدعة خارجة عن حدود التعبد في الإسلام.
وإذا كان الأمر كذلك فعلينا إذًا أن نحاربها ونلغيها، ونعلن براءة الإسلام منها، وأنها تشوه المفاهيم الإسلامية في الخارج والداخل، ثم نشرح هذه الحقائق في جميع الشعوب الإسلامية بكل الوسائل التي يمكن اتخاذها.
يقول بعضهم: إن علينا إصلاحها، فإنَّ الأخطاء تصلح بالتوجيه والإصلاح، لا بالإلغاء والإعدام.
حقًّا هذا الاعتراض له وجاهة لو كنَّا بحاجة إليها، ولا يمكن لنا الاستغناء عنها؛ لكنَّا لسنا بحاجة إليها؛ لأن الإسلام منهاج واحد، وطريقة واحدة، فإن التمسك به من جميع جوانبه، والسير على طريقته ومنهاجه هو تطبيق الإسلام على الوَجْهِ الصحيح، وهو الذي يجمعنا جميعًا في صف واحد، ويوجهنا إلى جهة واحدة؛ أمَّا إنشاء الطرق المختلفة باتجاهات ومراسيم متنوعة، فما هي إلا تفريق الأمة، وإفشاء الخلاف بين علمائها، وانحلال قوى الوحدة في نفوسها، وفتح الثغرات لدخول النفوذ الأجنبي، وظهور الآراء المنحرفة في صفوف المسلمين.
وأخيرًا ينبغي أن يلاحظ هنا أنَّ نقدي للطرق الصوفية، لا للتصوف أو الحياة الروحية في نطاق الإسلام، قد يساء بي الظن أنِّي بهذا الموقف من الطرق قد ظلمتها، غير أنني لو ذكرت لكم رأي الإمام القشيري فيها - وهو من أعلام التصوف - في تصوف هؤلاء؛ لظهر أن حكمي عليهم أخف من حكمه.
يقول: "حصلت فترة في هذه الطريقة؛ لا بل اندرست الطريقة بالحقيقة، مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء، وقل الشباب الذين كان لهم بسيوفهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوي بساطه، واشتد الطمع وقوي رباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعَدُّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا في ميدان الفضلات، وركنوا إلى اتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاع بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان، ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه، وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، والقائل عنهم غيرهم إذا أنطقوا، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا؛ بل صرفوا"[14].
وإذا كان الإمام القشيري يهاجمهم بما هم عليه في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، فما بالك بما آلت إليه أحوالهم بعدَهُ حتَّى يومِنا هذا.
وليس ما قلتُه هنا مجرد ملاحظات لبعض الطرق؛ بل هو عن دراسة واعية، وملاحظات مباشرة للطرق في مختلف البلاد.
وليس ما قلتُه هنا أيضًا هو كلُّ نتيجةِ دراستِي وملاحظاتي؛ بل كل ذلك سيأتي موضحًا ومفصلاً في رسالة خاصة أعدها بعنوان "نشأة الطرق الصوفية، وعلاقتها بالإسلام"، وما ههنا إلا مجرد لمحات وإشارات مناسبة لحجم الكتاب، ذكرتها كعامل مشوه لروح الاسلام، وشعاري الأخير هنا هو أن الإسلام طريق واحد، لا يحتاج إلى الطرق.
(4) فوضى التـأويل
أشرت في بعض المناسبات - فيما سبق - إلى دور فوضى التأويل في تشويه روح الإسلام؛ ولكن هذه الإشارات لما كانت غير كافية للإحاطة بدورها في هذا الميدان، احتجت إلى أن أخصه بعنوان؛ ليكون دورها واضحًا كل الوضوح في نظر القراء.
وقبل توضيح ذلك أريد بيان الحقيقتين الآتيتين؛ لأنهما بمنزلة ميزان نزن به مدى خطر هذا العامل في هذا المجال.
أما الحقيقة الأولى: فهي أن الإسلام منهاج جاء ليتبعه الناس ويسيروا عليه، بدلاً من أن يسير وفقًا لهوى الناس ويسير تبعًا لآرائهم المختلفة؛ بل هو ميزان لجميع القيم، جاء لتوزن به الحقائق والقيم، لا ليوزن هو بما يضعه الناس من القيم والمناهج.
وأما الحقيقة الثانية: فهي أن الإسلام يهدف دائمًا إلى تحقيق المطالب الأساسية للفرد في حدود القيم والمبادئ التي جاء بها، دون إضرار بمصلحة الغير؛ فلا يسمح للفرد بتحقيق مطالبه بأية طريقة كانت، ولو على حساب الآخرين.
غيْرَ أنَّ التَّأويل حين أصبح فوضى، بدون قيد ولا شرط، وحين أصبح وسيلة لتبرير الاتجاهات الشخصية، بإيجاد سندٍ لها من الدين بأية طريقة كانت، حين غيَّر المؤولون المنحرفون الحقيقتين السابقتين، فعكسوا القضية الأولى بقصد أو بغير قصد؛ بجعل آرائهم ميزانًا، وأهوائهم واتجهاتهم منهاجًا، ثم حاولوا إخضاع الآراء الإسلامية لآرائهم، ومنهاجه لمناهجهم؛ وبذلك جعلوا الإسلام عرضة لأهوائهم، وأستارًا يخفون وراءها سوء نياتهم.
وقد حذرنا الله من اتباع هؤلاء؛ لسوء مصيرهم في النهاية، فقال تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان: 43]، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50]، {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم: 29]، وغير ذلك من الآيات يندد بهذا الاتجاه.
إنَّ الفكرة يجب أن تنبع من قلب الإسلام، لا أن تعتنق من الخارج أو من هوى الناس، ثم تفرض على الإسلام فرضًا.
وكانتِ النتيجة الحتمية لهذا الاتجاه الخاطئ أنْ أصبحت هناك مناهج مختلفة، واتجاهات متعددة بين صفوف الأمة الإسلامية، ومن ثَمَّ تعدَّدت الآراء، وتشتت الأمة، وأصبح الإسلام عرضة لآراء وأفكار متناقضة، ونظريات متهافتة.
وفي ذلك تشويه وتشويش؛ تشويه لروح الاسلام من جهة، وتشويش على فكر الأمة من جهة أخرى.
وكذلك تغافلوا عن الحقيقة الثانية كما فعله البعض، أو جهلوها كما فعله البعض الآخر.
إن الإسلام لا يتعارض أبدًا مع مصلحة الناس كأفراد وجماعات، ولا يقف أمام مطالبهم ما داموا يطلبونها في حدود القيم الأخلاقية والدينية، وما داموا يطلبونها بطريقة لا تضر الآخرين إن عاجلاً أو آجلاً.
غير أن بعض الناس يرسم لنفسه طريقًا للوصول إلى هدفه، فلا يستشير الإسلام قبل رسم طريقه: أهو موافق للمبادئ الإسلامية أم مخالف لها؟ ثم يجد الإسلام يعارضه، ففي هذه الحالة، إما أن يحاول التوفيق ولو بطريقة تعسفية، فيُحمِّل الآيات ما لا تطيق، وبذلك ينفذ طريقته غير الشرعية باسم الشريعة، ولو أضرت بمصلحة الأفراد والجماعات.
وإما أن يقول: إن الإسلام يعارض مصلحة الناس، وفي كلتا الحالتين يصبح الإسلام مظنة سوء، حقًّا إن الإسلام يقف أحيانًا في طريق الناس، ويعارض بعض الوسائل التي يتخذونها لقضاء مآربهم؛ لأن ما فيها من الأضرار أكثر مما فيها من المصلحة التي يلاحظونها، أو لأن ما يترتب عليها من الأضرار سوف يحدث في المستقبل، وهم لا يدركونها لأنهم لا ينظرون إلا إلى القريب العاجل، وأحيانًا يقف الإسلام سدًّا أمام مصلحة الفرد من أجل مصلحة المجتمع، إذا أراد تحقيق مصلحة على حساب الناس، أو بطريقة غير أخلاقية، فعدم ملاحظة هذه الأمور عمدًا أو بغير عمد من الأسباب الرئيسية في فوضى التأويل، التي رأينا بعض صور منه لدى إخوان الصفا وبعض فلاسفة المسلمين؛ أمثال الفارابي وابن سينا.
ويطول بنا المقام لو ذكرنا أمثلة لمثل هذا التأويل عند مختلف الأحزاب السياسية، والطوائف وأهل الطرق الصوفية؛ ولهذا أكتفي بما سبق، غير أنني أحاول هنا تلخيص دوافع هذا التأويل التعسفي؛ حتى لا نقع فيما وقعوا فيه، فأهم هذه الدوافع أو الأسباب هي ما يلي:
أولاً: محاولة التوفيق بين الإسلام والفلسفة، كما رأينا لدى السابقين، أو بين الإسلام والمذاهب السياسية أو الاقتصادية كما نراه لدى المحدثين، وقد بينَّا خطأ هذا الاتجاه بوجه عام.
ثانيًا: محاولة إيجاد سند أو دليل من الإسلام للآراء الشخصية أو اتجاهاتها؛ حتى تجد قبولاً لدى الجمهور.
ثالثًا: تبرير الاتجاهات المنحرفة، وقد قال تعالى في حقهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
وعلى كل حال فإنها جميعًا قد أدت إلى نتائج سيئة؛ إذ إنها شوهت روح الإسلام في نفوس المسلمين وغير المسلمين على السواء؛ إذ إن المبادئ الإسلامية أصبحت بذلك متناقضة متضاربة، وصدق رسول الله حين بيَّن لنا أن مثل هذه التأويلات تؤدي إلى مثل هذه النتيجة فقال: ((إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به))، قال ذلك بعد أن نزل قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].
من أجل هذا كله يجب أن نحدد موقفنا من هذا التأويل، وذلك:
أولاً: بإعلان حرب شعواء على فوضى التأويل.
ثانيًا: إعادة النظر إلى النصوص ودراستها، بعيدًا عن الخلافات المذهبية والحزبية، متخذين الهدف الأساسي للوصول إلى الفهم الصحيح.
ثالثًا: وضع قانون للتأويل وحدود نسير داخل قيوده.
15:11

مكانة الإنسان والعقل في المناهج الاجتهادية

مكانة الإنسان والعقل في المناهج الاجتهادية

د. محمد فاروق النبهان(*)

حظي الإنسان في القرآن الكريم بإهتمام متميز، سواء من حيث مكانته الإنسانية أو من حيث حقوقه المادية، وتعتبر لفظة «الخلافة» من أبرز الدلائل علی هذه المكانة، التي تؤهله لخلافة الأرض، والتحكم في أمرها، والنظر في شؤونها، والاستفادة من خيراتها وتطوير وسائل الحياة فيها، قال تعالی: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يفْسِدُ فِيهَا وَيسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)(1).
والخلافة تفيد معاني عدة:
أولها : معنى التكريم: والتكريم هو المعنى الواضح من دلالة الآية الكريمة، ويراد بالخليفة المؤتمن علی شؤون الخلق في هذه الأرض، والذي يضمن استمرار الحياة فيها، لكي تظل هذه الأرض عامرة بالحياة.
ثانيها : معنی التكليف: والتكليف واضح في معنی الآية، والإنسان هو المكلف، نظراً لما زوده الله به من إمكانات التعقل والتمييز والفهم، والتكليف يتطلب المسؤولية، والإنسان مسؤول عن كل ما يكلف به، وما يصدر عنه.
و «المكلـّف» في المصطلح الأصولي هو من يتوجه إليه الخطاب، ولابد في التكليف من مشقة، والغاية من التكليف: إصلاح حال الخلق في حياتهم، ومنع التظالم والعدوان، وإقامة أنظمة اجتماعية تضمن كرامة كل إنسان، وحقه في الحياة، ولهذا أرسل الله الرسل (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)(2)، ومن هذا المنطق ارتبط التكليف بأهليته، وركن الأهلية العقل، لأنه أداة الفهم وأداة التمييز، ولكي يكون العقل في موطن الحماية والحفظ فقد حرّم الإسلام كل الوسائل التي تمنع العقل من أداء مهتمه في التمييز والفهم والتفكير، تجسيداً لمعنی التكليف، وتأكيداً لثقة الإسلام بالإنسان، وتمكيناً للعقل البشري من أن يباشر مهمته التكليفية باطمئنان، ويرفع التكليف عندما يكون هناك سبب يمنع العقل من أداء مهمته، بسبب صغر أو جنون.
وخاطب الإسلام العقلاء من أهل التكليف بخطاب شرعي، وترك لهم حرية التفسير والتأويل فيما يحتمل ذلك من الألفاظ والدلالات، رحمة بهذه الأمة، وتيسيراً لشؤونها، فما كان قطعي الثبوت والدلالة من النصوص فالحكم فيه واضح ولا يقبل الاجتهاد، وما كان ظني الثبوت أو الدلالة منها فالأمر فيه متروك لأهل العلم والرأي، ممن توفرت فيهم أهلية الترجيح والاجتهاد، وهذا هو الموطن الذي تعددت فيه الآراء، وبرزت فيه مواطن الخلاف، وظهرت فيه مدارس فقهية وتميزت كل مدرسة بمنهجها.
والتكاليف الشرعية عامة وشاملة، لأن الخطاب الشرعي موجه لكل مكلف من غير تمييز لأن الشريعة جاءت لاصلاح شأن العباد، ولا يتحقق هذا الإصلاح إلا عندما يكون الحكم عاماً وشاملاً، فلو وقع استثناء فئة بسبب موقع أو بسبب صفة انعدمت الفائدة منه، ووقع الشك في مدی عدالة الحكم ونزاهته.
والعمومية لا تعني مطلق العموم، وإنما تعني أن من توفرت فيه شروط التكليف فيجب أن يخضع لهذا التكليف، ومن انتفت فيه هذه الشروط سقط عنه التكليف، بحيث تشمل هذه القاعدة جميع العباد.
ومن حكمة الشريعة الإسلامية أنها راعت الاستطاعة البشرية، فلم يأت التكليف بما يخرج عن طاقة الإنسان، لأن تكريم الإنسان يتطلب مراعاة طاقته الإنسانية، فلا يكلف بما لا يطيق، لأن التكليف الخارج عن الاستطاعة لا يؤدي إلی المصلحة الشرعیة المرجوة، المتمثلة في صلاح أمر العباد.
الإنسان في المبادئ الأصولية:
ومن هذا المنطلق أقرت الشرعية مبادئ أصولية تحقق هذه الغاية الإنسانية وتؤكد احترام الشريعة لإنسانية الإنسان، واهم هذه المبادئ ما يلي:
أولاً: ربط المقاصد الشرعية بمصالح العباد، سواء كانت مقاصد ضرورية أو مقاصد حاجية أو مقاصد تحسينية، ومصالح العباد واضحة في كل المقاصد، لأن غاية الشريعة إصلاح شؤون الخلق، ودرء الأخطار والمفاسد التي تهدد حياتهم ومصالحهم وتتجاهل حقوقهم الإنسانية، فالعبادات شرعت لاقامة الدين، والعقوبات شرعت لدرء المفاسد.
ثانياً: رفع المشقة ودفع الحرج عن الناس، وذلك لأن المشقة تتنافی مع التكريم، وتناقض مبدأ احترام الرخصة الشرعية في حالات المشقة كالسفر والمرض، والتمست العذر لهؤلاء في قبول تكليف مخفف، يناسب طاقتهم ولا يشق علیهم بما لا يطيقون.
ثالثاً: النهوض بمستوی سلوك الإنسان، لكي يكون في موطن التميز، سلوكاً وأدباً ونظافة، ولهذا أقرت الشريعة أحكاماً منظمة لعادات الإنسان، تتعلق بنظافته وطهارته وآدابه، لكي يكون في مستوی التكريم.
رابعاً: حرمت الشرعية جميع أنواع السلوكيات المنافية لكرامة الإنسان، كالظلم والعدوان، والتمثيل بالموتی، وقتل الأطفال والنساء في الحروب، وإهدار كرامة الأسری، ودعت إلی احترام الكهول والأطفال.
ومن منطلق احترام الشريعة الإسلامية لحقوق الإنسان صاغ فقهاء الإسلام قواعد شرعية، مستمدة من النصوص الشرعية من قرآن وسنة، ومما أجمع علیه علماء الإسلام، واعتبروا هذه القواعد مما بني علیه الفقه الإسلامي، ومن أهم هذه القواعد ما يلي:
1 - الحرج المرفوع، والحكمة من هذه القاعدة أن التكليف الشرعي غايته الإصلاح، ولا إصلاح مع الحرج والمشقة وتكليف الإنسان بما لا يطيق، وهذا مظهر واضح لاحترام إنسانية الإنسان في مجال التكليف الشرعي.
2 - الضرورات تبيح المحظورات، والحكمة من هذه القاعدة دفع الضرر عن الإنسان، ففي حالة الضرورة يجوز له أن يأكل الميتة إذا خاف علی حياته.. ويجوز له أن يشرب الخمر في حالة العطش.. وأجاز الفقهاء للإنسان أن يدافع عن حياته بكل الوسائل الممكنة.
وأقر الفقه الإسلامي أحكاماً في مجال العبادات والمعاملات لدفع الحرج والمشقة عن الناس، في حالات المرض والسفر والجهل والنسيان والإكراه والصغر والجنون، كما التمسوا العذر للناس فيما عمّت به البلوی من أنواع المعاملات التي تتضمن الغبن اليسير.
مكانة العقل البشري في الإسلام:
ومن أبرز المواقف الإسلامية التي تجلت فيها ثقة الإسلام بالإنسان «الاحتكام إلی العقل البشري» فيما لم يرد به نص من الوقائع والنوازل. مما يدخل في إطار الأحكام الاجتهادية، والاجتهاد هو المصدر العقلي الذي أقرته الشريعة الإسلامية واحتكمت إليه، وإعتبره علماء الأصول من المصادر الأصلية، ووضعوا له قواعده و ضوابطه، لكي يكون أداة لاستكشاف الحكم الشرعي.
ومجال الاجتهاد محدد، فلا يقع الاجتهاد فيما ورد فيه نص، إلاّ إذا كان هذا النص ظني الثبوت أو ظني الدلالة، وفي هذه الحالة يكون مجال الاجتهاد البحث عن مدی قطعية الدليل أو عن مدی قطعية الدلالة.. ومن هذا المنطق عكف علماء الحديث علی وضع علم مصطلح الحديث، لمعرفة مدی صحة الحديث، وفرقوا بين الرواية والدراية، واشترطوا لصحة الرواية الضبط والعدالة، لئلا يقع الخلط بين ما هوصحيح وما هوموضوع، واستطاع علماء الحديث أن يضعوا معايير للرواية الصحيحة وأن يحددوا أنواعها وأن يبحثوا عن شروط قبول الرواية وضوابطها وعلل الحديث وعلم الرجال.
وفي معرض البحث عن قواعد الاستنباط من النصوص النقلية وضع علماء الأصول معايير لغوية وبحثوا في علاقة اللفظ بالمعنى، من حيث المعنى الذي وضع له كالخصوص والعموم، أومن حيث المعنى الذي استعمل فيه كالحقيقة والمجاز والصريح والكناية، أومن حيث خفاء المعنى وظهوره، أومن حيث طرق الوقوف علی مراد المتكلم سواء في دلالة العبارة أو دلالة الإشارة.
ويعتبر« القياس» من أبرز المعايير الاجتهادية التي يعتمد علیها العقل البشري في إلحاق الفروع بالأصول، والقياس هو أداة العقل لتوليد أحكام شرعية في المسائل المستحدثة والنوازل الطارئة، ويعتمد القياس علی «علة» وهي الوصف الذي أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة علیه، ومن اليسير علی العقل البشري أن يكتشف علة الحكم فيما هو منصوص علیه من الأحكام الشرعية المنظمة لمصالح البشر، والمحققة لمقاصد الشريعة، من حيث المصالح والمفاسد، فما كان مصلحة فهو في موطن الإعتبار، وما كان مفسدة فهو في موطن الإلغاء، ويتسع دور العقل البشري في مجال القياس، بحثاً عن علل الأحكام، وبخاصة فيما لم تعرف علته بنص صريح، وتبرز قدرات المجتهدين وبراعتهم في استكشاف العلل المناسبة التي ارتبطت بها الأحكام، وعندما لا يتضح للمجتهد الوصف المناسب لاعتباره علة الحكم يجوز له أن يأخذ بالظن الراجح الذي لا يوجد مساو له ولا أقوی منه.
وهذه المساحة المتروكة للعقل البشري عن طريق الاجتهاد تتيح لفكرنا الفقهي أن ينمو ويتسع، وأن يلبي حاجات إجتماعية، وأن يجسد قدرة فقهاء الإسلام علی تأصيل الأحكام ومواجهة القضايا المستجدة بعقلية قادرة علی الفهم، إغناءً لفكرنا، واستجابة لقضايانا وتأكيداً لاستقلالية هذه الأمة وتمكيناً لها من تكوين فكر متميز تواجه به التحديدات التي تستهدف هويتها وفكرها وثقافتها وكيانها.
والإسلام يضيق بعقلية الجمود والركود، لأن مناهجنا الأصولية فتحت أمامنا أبواب الإضافة، لكي نجسد قدرة فكرنا علی التوسع والامتداد، والاجتهاد أداة التجديد، والتجديد الذي نريده ليس تجديد التغريب وتجديد الهدم، وإنما هو تجديد التأصيل والتصحيح، لكي يكون منهجنا امتداداً لمناهج عصر السلف حيث ازدهرت الحركة الفقهية، وتعددت المناهج الاجتهادية وتكاثرت مدارس التفسير وتنافست في سبيل الدفاع عن حرية الرأي ومنهجية التفسير والتأويل.
ضوابط الاجتهاد:
وأهم هذه الضوابط ما يلي:
أولاً: تشجيع الاجتهاد الجماعي، الذي يبرز علی شكل اجتهادات صادرة من هيئات علمية مختصة، تملك ناصية البحث العميق والفهم السديد.
ثانياً: اخضاع الآراء الاجتهادية لمقاييس علمية، وتشجيع البحوث التي تعلق علی هذه الاجتهادات، سواء كانت مؤيدة أو معارضة، لإثراء الحوار العلمي بما يبديه العلماء من أفكار.
ثالثاً: إعتبار الهيئات الاجتهادية بعيدة عن التأثيرات الخارجية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، لكي يظل الاجتهاد في موطن الثقة والاحترام.
رابعاً: الاهتمام بركن العدالة بمفهومها الأوسع، كشرط أساسي من شروط الثقة بالمجتهد، والإطمئنان إلی رأيه فمن انعدمت الثقة في اجتهاده لانتفاء صفة العدالة فيه فلا يؤخذ برأيه.
خامساً: اعتماد المنهج العلمي في دراسة القضايا الفقهية، التي تحتاج إلی خبرة أهل الاختصاص من أهل العلم والمعرفة، سواء في القضايا الطبية أو في المسائل التجارية والمعاملات المادية.
ولا شك أننا نحتاج في مثل هذه المواقف إلی تجاوز التعصب المذهبي والنظر إلی مختلف الآراء الفقهية بمعيار موضوعي تحكمه الأدلة وتؤكده رغبة في الوصول إلی الرأي الأقرب لمقاصد الشريعة وأهدافها في رعاية مصالح الخلق ودرء المفاسد.
والتعصب ظاهرة سلبية، نشأت في عصر الركود الفقهي، ونمت في ظل نمو صراعات جهوية وقومية وسياسية ومذهبية، وهذه الظاهرة لم تكن مألوفة في عصر السلف، ولم تكن مقبولة، نظرا لما تمثله من خطر علی وحدة المسلمين ولما تجسده من رؤية فكرية ضيقة، وأكد «الإمام الغزالي» في معرض حديثه عن آداب المناظرة أن يكون المناظر طالباً للحق، وطالب الحق ينشد ضالته أينما كانت، واعتبر من آفات المناظرة الإساءة للخصم والاستكبار عن الحق.
ظاهرة التعددية المنهجية
والتعددية المنهجية ظاهرة حية وهي دليل علی قدرة فكرنا علی توليد التصورات الاجتهادية القادرة علی تكوين المدارس الفكرية، التي أسهمت في إغناء ثقافتنا الإسلامية بعطاء أجيال متعاقبة، جمعتهم رغبة أكيدة في خدمة هذا الفكر.
ومن اليسير علینا أن نلاحظ هذه التعددية المنهجية في طريقة التصنيف الأصولي بين طريقتي الشافعية التي اعتمدت علی وضع القواعد أولاً وتطبيق الفروع علیها، والحنفية التي اعتمدت علی الفروع كمنهج للتقعيد والتأصيل، ولابد في كل تعددية من آثار إيجابية تتمثل في توليد المنهجية الوسطية التي تتلافى الأخطاء الممكنة والمحتملة لكل من الطرفين.
والوسطية في جميع الظروف وليدة طرفين متباعدين، وهي نتاج طبيعي لتعددية منهجية في طرق البحث والتأصيل، وإننا نتطلع الآن إلی وسطية عاقلة يحققها الاحتكام إلی النصوص النقلية، وينميها شعور صادق بحاجة هذه الأمة إلی التقارب الفكري والتساكن النفسي في ظل تعددية مذهبية تجسد انتماء كل شعب من شعوبنا إلی محيطه الثقافي والمذهبي والاجتماعي، ولا تنسيه حقيقة انتمائه إلی عقيدة واحدة وثقافة إسلامية متميزة حدد القرآن الكريم والسنة الشريفة معالمها الأساسية.
ولسنا مطالبين اليوم بأن نبحث عن وحدة مذهبية في الأحكام الفرعية، فذلك مما لا يمكن تحقيقه، ولا يترتب علیه أي أثر إيجابي، لأن التعددية مظهر حي ودليل علی حيوية الجهد الذي يبذله العلماء في التوصل إلی المعرفة، ويجب أن ينصب اهتمامنا علی استكشاف أوجه التلاقي بين المذاهب الإسلامية، لتعبيد مسالك التقارب وطرق التعاون، لكي يكون جيلنا محصنا ضد الفتنة ومهيأ لرفض أي شعار يمزق وحدة هذه الأمة، وبهذا المنهج التحصيني نضمن أن تظل شعوبنا متعاونة ومتكاتفة تؤمن بالتساكن والتعايش، وترفع راية الحوار كأدلة حضارية لتضييق دائرة الإختلاف.
وإننا ندعو إلی تطويق كل مظاهر التعصب المذهبي، وإدانة كل شعار يثير الفتنة ويهدد وحدة هذه الأمة، ولا يجوز لنا أن نكون أداة طيـّعة وغافلة لتنفيذ المخطط الذي يريد أن يراهن على الخلافات المذهبية، فأوجه التلاقي أكثر وأعمق، وما يوحدنا أكثر مما يفرقنا، وما يدفعنا إلى التضامن والتكافل والتعاهد أرسخ وأقوى مما يدفعنا إلى التباعد والتنافر، ويجب على علماء هذه الأمة، وهم أهل الحكمة والرأي والاختيار أن يفسدوا مخطط التمزيق والتفريق، وأن يكونوا في مقدمة الموكب الذي يدعو إلى الوحدة، وأن يتصدوا بشجاعة وجرأة لصيحات التطرف وشعارات الانفعال، فالتاريخ سجل خالد، وحكماء الأمة هم الأجدر بأن يملؤوا صفحاته بمواقف جهاد في سبيل تصحيح العلاقات وعقلنة الانفعالات والسيطرة على مسارات أمتنا في رحلتها الشاقة للبحث عن هويتها وذاتيتها والتمسك بعقيدتها وثقافتها..
ولا يجوز أن نسمح للتاريخ بأن يحكم قبضته علی عواطفنا، فتاريخنا هو تاريخ بشري، وبعض صفحاته مشرق والبعض الآخر قاتم، فما كان مشرقاً فيجب أن نعتز به، وأن يكون مصدر إلهام لنا، وما كان قاتماً فيجب أن ندينه وأن نأخذ منه العبرة، لكيلا تتكرر الأخطاء.
ونحن نحتاج إلی تلك الرؤية الموضوعية لتاريخنا، وسوف نجد الكثير من المواقف التي تدفعنا إلی الاعتدال وتشجعنا علی إدانة التطرف المذهبي، وتشجيع كل دعوة الی التقارب و التناصر، وإلی نبذ كل خلاف يؤدي إلی تعميق التعصب وتغذيته.
أهم المبادئ والأسس في الفكر الإسلامي
وهناك مبادئ وأسس يجب أن نعتبرها من الثوابت الراسخة والمفيدة في فكرنا الإسلامي، وأهمها ما يلي:
أولاً: إعتبارالإنسان هوالمحور، الذي حرصت الشريعة علی توفير أسباب الكرامة له، في حقوقه الإنسانية وفي مطالبه الإجتماعية، والإنسان هو المؤتمن علی هذه الأرض، يعمرها بجهده، ويشيد بناءها بعمله، ويسخّر الطبيعة لخدمته.
ثانياً: الثقة بالعقل البشري، كمخاطب مكلف بالفهم والتفسير والتأويل، ولا حدود لثقة الإسلام بقدرات العقل، وضمنت الشريعة للعقول البشرية حقوقها في اختيار وسائلها في المعرفة، والتمست لها العذر فيما تقع فيه من أخطاء في التفسير والفهم والاجتهاد ما دامت ملتزمة بضوابط الفهم وقواعد الاستدلال.
ثالثاً: اعتبار الاجتهاد من الحقوق الإنسانية التي يملكها مَن توفرت فيه شروط الكفاءة والعدالة، ومجالات الاجتهاد واسعة في جميع المسائل الاجتهادية، ولا اجتهاد فيما علم من الدين بالضرورة، أو ما ثبت فيه وجه الحق ثبوتاً قطعياً، لأن الحق لا يتعدد فيها.
رابعاً: الاعتراف بأثر البيئة الزمانية والمكانية في تكوين ظروف نفسية تهيئ المجتهد لاختيار منهجية ملائمة له، ولا ينكر مبدأ تغير الأحكام بتغير الزمان، لأن الأحكام لها غايات وأهداف، وتتمثل في جلب المصالح ودرء المفاسد، فالمصالح مطلوبة والمفاسد مدفوعة، وغاية الحكم الشرعي أن يحقق هذه المقاصد، وتتميز المصادر النقلية بخصوص التفسير والتأويل، وهذه الخصوصية أدت إلی تعدد الآراء والاجتهادات، تيسيراً علی الأمة وإغناء لتراثنا.
وفي الختام أود أن أؤكد علی مكانة الإنسان في فكرنا الإسلامي، وعلی ما يختزنه في كيانه من طاقات وإمكانات، والإنسان هو المحور الذي جاءت الشريعة لتكريمه أولاً، ولتوفير أسباب الحياة له ثانياً، ويجب أن يحظى ذلك الإنسان بمكانته، وأن توجه العناية لاستعادة وتوفير أسباب العيش له لكي يشعر بوجوده الإنساني، ولا كرامة لمستذل أو جائع، ولا يمكن أن يطالب الجائع والمستذل بأي التزام ما لم توفر له أسباب الكرامة.
وشعوبنا الإسلامية تحتاج أولاً إلی كرامة الكفاية وتحتاج ثانياً إلی كرامة العدل، لكي تشعر بوجودها وبإنسانيتها، وعندئذٍ ستكون هذه الشعوب هي السفينة التي ستبحر في أعماق المحيطات صامدة شامخة راسخة الجذور عالية الرايات باحثة عن مجد عريق وتاريخ مجيد.
وعندئذٍ سنفتح سجلا ً جديداً ندوّن فيه صفحات ازدهار وعطاء، مؤكدين بذلك عظمة هذه الأمة ووعيها لحاضرها ومستقبلها وأهليتها لحمل الراية بكفاءة وجدارة.

الهوامش:
ـــــــــــــــ
(*) مدير دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا في الرباط ـ المغرب.
15:09

تجديد الفكر الإسلامي

أ.د. محمد بن أحمد الصالح
الفكر الإسلامي محصلة حضارية بنيت على أركان العقيدة الإسلامية التي جعلها الله دينه الخاتم وبعث خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ونريد أن نقنع المسلم بأنه يعتنق أكمل الأديان وأعدلها، وأن مبادئ هذا الدين وأحكامه ومثله ومقاييسه هي المبادئ السليمة الكفيلة بإسعاد الفرد والمجتمع، كما نعمل على إقناع غير المسلم بهذا المعنى حتى لا يتصور الإسلام دعوة عصبية أو قاصرة عما يكفل الحياة السعيدة للناس، وأن يعرف أن ما جاء به الإسلام إنما هو برنامج عملي إصلاحي للبشرية كافة، قال تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء:107]، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها" وإذا كانت العبادات قد استقرت وأصبحت توقيفية لا يدخلها التبديل ولا التغيير، فإن أمور المعاملات قابلة للتجديد والتطوير، الذي يعتمد على الاجتهاد الجماعي الذي يقوم على ركنين: اعتماد على الأصول، واتصال بالعصر، أما الاعتماد على الأصل فنحن نعتمد على الشرعية التي تقوم على الثوابت الكبرى، وهي حفظ الضروريات الست: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، والمحافظة على قطعيات الشريعة وأحكامها، وعلى الفرائض وعلى القيم الأخلاقية.  وشريعة الإسلام قد اتسعت في كل عصر ومصر عبر آلية الاجتهاد والتجديد، ولهذا قال فقهاؤنا: إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأعراف، فهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي الإمام أبو حنيفة قد خالفوا إمامهم في كم هائل من مسائل الفقه، وقالا: لو رأى إمامنا ما رأينا لغير رأيه بناء على ما طرأ من تغير الزمان والمكان وتطور في مسيرة الحياة.  وهذا الإمام محمد بن إدريس الشافعي أثر عنه المذهب القديم لما كان في العراق، ولما تحول إلى مصر دون مذهبه الجديد بناء على تغير الأحوال والأعراف، وهذا الإمام أحمد رضي الله عنهم جميعاً يؤثر عنه في المسألة أكثر من رواية إما من باب التيسير أو الاعتماد على نص علمه.  إذن فأعمال الاجتهاد والتجديد ضرورة ملحة لاستيعاب قضايا العصر ومتطلبات الحياة، من خلال الثبات على مقاصد الشريعة وقواعدها العامة ومبادئها الكلية مع المرونة في الوسائل ودقة الفهم وإدراك المصلحة.  والتغيير في الأحكام يعني: تعظيم الأصول وتيسير الفروع؛ لأن تعظيم الأصول يندرج تحت قوله تعالى:"بسم الله الرحمن الرحيم*ألم*ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين*الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون*والذين يؤمنون بما أنزل إليك وبما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون*أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون"، وقال عليه الصلاة والسلام:"بني الإسلام على خمس إيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت".  وهذا يقتضي أن من يتصدى للفتوى في قضية الأحكام أن يكون لديه الأهلية في العلم والفهم والإدراك، قال تعالى:"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" [الزمر:9]، وقال تعالى:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"، وقال تعالى:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم" [آل عمران:18].  ولكن -ويا للأسف- نعيش اليوم في عصرنا مع شباب حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، لم يأخذوا العلم عن الثقات ولا عن مصادر العلم الأصيلة، ولم يستمعوا لقول الله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، كما أن هؤلاء لم يرجعوا إلى الراسخين في العلم، وإنما قرأوا جملة من الآيات أو جملة من الأحاديث ثم نصبوا أنفسهم للإفتاء بآراء شاذة ومنحرفة، فأخذوا يكفِّرون الأمة ويفسِّقونها ويجهلون العلماء ويسفهونهم ويخوضون في أعراضهم، ويسعى هؤلاء الشباب في تضليل الناس ووصفهم بالابتداع، ويصدرون من الفتاوى ما يؤدي إلى الفتنة والبلبلة والاضطراب، ويخوضون في القضايا الكبرى للأمة ومصالحها العليا، وهذا من الفتن العظيمة ومن الشر المستطير، فيجب على العلماء وأولي الأمر والرأي أن يتصدوا لهؤلاء ويبعدونهم عن الساحة؛ ليسلم الناس من هذا الهراء ولا يتصدى للفتوى إلا الراسخون في العلم، ومن وهبهم الله فهما دقيقاً وفقهاً عميقاً، ولهذا نرى أن الصيغة المثلى في علاج قضايا الأمة وحل مشكلاتها إنما تتحقق بالاجتهاد الجماعي الذي يجمع بين فقهاء الشرع وخبراء العصر؛ لأن الفقهاء يعلمون النصوص ومدلولاتها ومقاصدها والخبراء يعرفون الواقع ومآلاته وتحدياته، والحكم الشرعي مركب من العلم بالنصوص والعلم بالواقع، فالاجتهاد الجماعي أقرب إلى السداد وأبعد عن الخلاف في مثل هذه القضايا.  ونحن نعتز بديننا ونفاخر بتراثنا المستخلص من كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.  وإذاً فلا بد أن نستفيد من الماضي ونعيش الحاضر ونستشرف المستقبل، ونعمل على علاج قضايا الناس وحل مشكلاتهم، معتمدين على النص الشرعي مع الاستنارة بالعقل، والنظر في المصالح والعمل على تكثيرها، والقضاء على المفاسد وتقليلها في كل مجالات الحياة، فالأمر بالمعروف هو من الصفات الخيرة في هذه الأمة، قال تعالى:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" [آل عمران:110]، وقال تعالى:"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [آل عمران:104].  ولكن لا بد من الحكمة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنظر في مجريات الأمور، وما ينشأ عن هذا الأمر من تحقيق المصالح ودفع المفاسد، ولا بد من الموازنة بين الخير والشر، وما يترتب على هذا التصرف من المآل والآثار، فليس كل منكر نراه نحمل عليه سيف التغيير والتبديل إلا بعد ما ننظر إلى ما يترتب عليه من أثر، فإذا كانت المفاسد المترتبة على التغير أكثر فلا يجوز الإنكار، وإذا كانت المصالح أكبر وأرجح فلا بد من الإنكار فهذا يدركه أهل النظر والوعي وأهل الحكمة وأولو الأمر الذين يقدرون المفاسد ويدركون المصالح.  وهذا يتمثل فيما قاله الإمام سفيان الثوري رحمه الله:"لا بد لمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر أن يتحقق فيه ثلاث: أن يكون عالماً بما يأمر به، عالماً بما ينهى عنه، عدلاً فيما يأمر به، عدلاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه.  وقد أثر عن الإمام الجليل شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه، أنه مر مع أصحابه على أناس من التتار الذين غزوا بلاد الشام وكانوا سكارى، فأراد من كان مع الإمام التغيير عليهم فنهاهم الإمام؛ لأن أمامه مفسدتان: مفسدة شرب الخمر، وهي منكر، غير أنها جريمة قاصرة، والمفسدة الثانية قتل المسلمين وإزهاق أرواحهم وسفك دمائهم، ولهذا قال الإمام الجليل دعوهم، إنما نهى الله عن الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء إنما تصدهم الخمر عن قتل المسلمين وإراقة دمائهم، ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من إراقة دم مسلم بغير حق.  ولقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال لعائشة:"لولا أن قومك حدثا عهد بالكفر لهدمت الكعبة وأعدتها على قواعد إبراهيم عليه السلام، ومما يؤيد فقه الموازنات بين التصرف وعدمه ما قاله الله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" [الأنعام:108]، فسب الأصنام أمر مباح ولكن لما كان يؤدي إلى التعرض للذات العلية صار أمراً ممنوعاً.  ونحن أمة نعيش ضمن قرية كونية زالت فيها حواجز الزمان والمكان، وليس لنا من سبيل أن ننكفي على أنفسنا أو نتوقع على ذاتنا، حيث لا بد من تبادل المنافع ورعاية المصالح ومد الجسور مع الآخرين والتفاعل الإيجابي من غير أن تذوب شخصيتنا وخصوصية حضارتنا من غير انطواء، أي أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها وممن جاء بها.  والحضارات تتقاسم أقداراً من القيم، ولهذا لا بد أن نأخذ بالنافع المفيد من اللباب والجوهر، ونعرض عن القشور وما يتنافى مع أخلاقنا وقيمنا، فقد اتصل المسلمون في صدر الإسلام وفي القرون الأولى بالدول المجاورة، وفتحوا نوافذهم على الأمم من حولهم، واستقبلوا الكتب وقاموا بالترجمة ونشر المسلمون علومهم في شتى المعارف والثقافات حتى وصلوا بهذا عن طريق الأندلس إلى بلاد أوربا كفرنسا وغيرها، ولهذا حدث التفاعل الإيجابي بين المسلمين وغيرهم من اليونان والروم وفارس.  فأمة الإسلام -وهي تعيش في هذا المنتدى البشري الذي نبحث فيه عن شراكة إنسانية- يتجلى فيها التفاعل وحوار الحضارات والأخذ بالجديد المفيد الذي يقوم على الأخوة الإنسانية والكرامة الآدمية وعلى التبادل العادل للمصالح وعلى الحق والعدل، ولقد قال الخليفة الراشد علي –رضي الله عنه- لواليه على مصر:"الناس صنفان إما أخ لك في الإسلام وإما نظير لك في الخلق أخوك في الإنسانية يفرط منه الخطأ والزلل وتغلب عليهم العلل ويؤتي على أيديهم من العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثلما تحب أن يعطيك الله من العفو والصفح فإنك فوقهم ووالي الأمر فوقك والله فوق من ولاَّك".  إذاً فهذه قاعدة التفاعل الحضاري نرعى المنافع ونتبادل المصالح لتحقيق السلم والأمن بين الشعوب في ظل موازين لا تختل فيها قيم العدالة أو الكيل بمكيالين إنما نلتزم العدل، كما قال تعالى:"وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم الله به لعلكم تذكرون" [الأنعام:152]، وقال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" [المائدة:8]، وقال تعالى:"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة:8].  ونحن نحتاج إلى معرفة الخلاف، فالله وحَّد الأمة على مصدر الكتاب الذي هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد، ويقوم توحيد الأمة واجتماع كلمتها على ما صح من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى وحدة القبلة وعلى وحدة المصير والجزاء المشترك، ولقد كان من رحمة الله أن يجري الخلاف في الأمة في فروع الشريعة، فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، ونزل على سبعة أحرف، تيسيراً على الناس ومراعاة للهجاتهم واختلاف ألسنتهم واشتمل على العام والخاص، وعلى المطلق والمقيد، والمجمل والمفصل، والمبهم والمبين، والناسخ والمنسوخ، وفيه الحقيقة والمجاز على أن القرآن لم تنـزل آياته كلها محكمة بل فيها المحكم والمتشابه، قال تعالى:"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [آل عمران:7].  فالمتشابهات هي التي تحتمل أكثر من وجه في التفسير، وهذا يعني أن الوحدة التي ندعو أمتنا إليها هي وحدة في الأصول وحدة في المقاصد، وحدة في الكليات، وحدة في المصالح، وإن وقع اختلاف في الفروع فهذا لا ينبغي أن يؤدي إلى الهجر والقطيعة أو تدابر أو تشاحن إنما ينبغي أن يؤدي إلى الرحمة.  فلا ريب أن في الاختلاف في الفروع سعة ورحمة، وقد قال بهذا الصدد أحد الفقهاء السبعة وهو القاسم بن محمد: ما يسرني أن يتفق أصحاب رسول الله لأنهم لو اتفقوا صار في هذا ضيق وحرج وفي اختلافهم يسر وسعة ورحمة.  والإمام محمد بن إدريس الشافعي تلقى علومه عن الإمام مالك بن أنس وقد اختلف التلميذ مع أستاذه، ولكن الشافعي يحمل الود والإجلال والاحترام والتقدير للإمام مالك ويقول: ما تحت أديم السماء أعلم من الإمام مالك ولا أصح بعد القرآن الكريم من كتاب الموطأ، ويقول: إذا ذكر العلماء فالإمام مالك النجم بينهم، ويقول: مالك حجة الله على خلقه، وكان الإمام مالك يرعى تلميذه الشافعي ويقول له: يا شافعي أرى أن الله قد ألقى عليك نور العلم فلا تطفئه بظلمة المعاصي، ولما رحل الإمام الشافعي إلى بغداد تتلمذ على يده الإمام أحمد بن حنبل وقد جرى خلاف بين هذين الإمامين الجليلين في مسائل عدة، ولكن انظروا إلى أدب الخلاف الذي نحتاج إليه بين أهل العلم، قال الإمام أحمد لولده عبدالله: منذ ثلاثين عاماً وأنا أدعو للإمام الشافعي فقال الابن لأبيه: لقد سمعتك تدعو للشافعي كثيراً فمن هو هذا الشافعي؟ فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، وبالمقابل فإن الإمام الشافعي لما رحل إلى مصر قال: ما تركت في بغداد أعلم ولا أروع ولا أهدى من أحمد بن حنبل: ثم قال:
قـالوا يـزورك أحمـد وتزروه *** قلت المكارم لا تفارق منـزله
إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله *** فالفـضل فـي الحـالين لـه
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.  (*) أستاذ الدراسات العليا وعضو المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
15:01

تشكلات الفكر الإسلامي المعاصر

لقد كان لتألُّق النزعة الإنسانيَّة في أوربا، وما حقَّقتْه الحداثة من إنجازات على المستوى العلمي والفكري والفلسفي من جهة، وظهور الدَّولة القومية المركزية في الغرب من جهة أخرى، نتيجة لارتفاع "أنا" الإنسان واعتداده بنفسه، حيث صار الإنسان مرجع ذاته في كلّ المجالات، ولم تكن هذه الذَّات التي تألَّقت في سماء الإنسانية إلاَّ الذات الغربية بنزعتها المركزية، حيث غدَا كلّ ما عداها داخلاً في مجالِها الحيوي، خاضعًا لسيادتِها العلميَّة، وفي نطاق اكتِشافاتها بحكم تفوقها.



غير أنَّ هذا التفوّق عمَّق في الذَّات الغربية مهمَّة حضاريَّة عليه تبليغُها، هي ما اصطلح عليها بمهمَّة الإنسان الأبيض، لم تكن هذه المهمَّة الحضاريَّة إلاَّ النَّزعة الاحتِلاليَّة الَّتي اكتشف بها الأمريكَتَين، ثمَّ طريق رأس الرَّجاء الصَّالح، الذي ولج منه إلى خيرات العالم العربي والإسلامي.



فبالرغم من العقلانيَّة التي ادَّعاها العالم الغربي بقيت أحلامُه الطفولية عن "الألدورادوس" أرض الذَّهب والكنوز، تدغدغ طموحه، "حيث لم تشهد الإنسانيَّة تعطُّشًا عارمًا للذهب كما كان ذلك بعد اكتِشاف المستعمرات"[22].



لقد كان العالم الإسلامي مجالاً خصْبًا للجشع الأوربي لتحقيق أحلامه، خاصَّة مع ما كان يشْهده من انقسام وتفتت على المستوى السياسي، واضمحلال وتقَهْقر على المستوى الثَّقافي، حيثُ لَم يستطع إثبات ذاته أمام تضخُّم "الأنا" الغربيَّة وشجَّعها، فكان أن وقع تحت نفوذها الاحتِلالي بمسمّيات عدَّة.



في ظلّ هذا الوضع كانت الأمَّة الإسلاميَّة تشهد انقِسامات عدَّة، خاصَّة على المستوى السّياسي، حيث تقَهقرت مكانة الخلافة العُثمانيَّة أمام الدّول الأخرى، وتضعْضع سلطانُها في نفوس المسلمين، بما آلتْ إليه مقاليد الأمور من استِبداد وتحكّم العصبيَّة التّركيَّة في الحكم من جهة، وتهلهُل المستوى العلمي والثَّقافي والرّوحي من جهة أخرى، الأمر الَّذي أفضى إلى غليان داخلي ينفجر بين الحين والآخر في شكْل تمرُّد على الحكم من طرف عامَّة المسلمين، أو حركات انقلابيَّة مناوئة للسلطة السياسيَّة من طرف بعض القادة السياسيّين أو المصْلحين، ولكن بالرَّغم من كلّ هذا، بقِيت الأمَّة الإسلاميَّة تحتفظ بشعور عميقٍ بهويَّتها واستِقْلاليَّة سيادتِها على كافَّة المستويات؛ خاصَّة إزاء أوربَّا، فكانت ردَّة الفعل الأولى في محاولة إثْبات ندّيَّة المسلمين للغرْب بتدارُك النَّقص العلمي لردْم الهوَّة السَّحيقة الَّتي عمَّقتْها أوربَّا بتطوُّرها العلمي الهائل، لكن أوربَّا التي أطلقت على الخلافة العثمانيَّة اسم الرَّجل المريض، كانت تنظر إلى الإرث الَّذي يمكن أن تناله بعد موته، فعمِلت على تعجيل موته واقتسام خيراته، ومن هنا انجلى سحر شعارات النزعة الإنسانيَّة التي رفعتْها أوربَّا طويلاً حين نزعت نحو السياسة الاحتِلاليَّة، "إنَّ مفارقة هذا التجلّي المزْدوج أنَّ أوربَّا اتَّبعت منحاها الذَّاتي؛ أي: الانتِقال من نمطٍ اقتِصادي إلى آخَر، ومن أسلوب حضورٍ في العالم إلى آخَر"[23].



في خضمّ هذا المسار التَّاريخي لتطوّر الأحداث كان حضور الفكر الإسلامي في أغلبه عبارة عن ردود أفعال لا غير، تمثّل في بداية الأمْر في محاولات الإصلاح والتحديث، وترميم الجهاز الفكري والثقافي والعلمي المهترئ بالمقارنة مع تألق نظيره الأوروبي، ثم التوعية الدينية والتعبئة السياسية لرد العدوان الأوروبي عن الديار الإسلامية.



لقد كان للتفوّق العِلمي الَّذي بهرتْ به الحضارة الغربيَّة العالم الإسلامي في انحداره إلى قاع التخلف - دورٌ كبيرٌ في تحديد وجهة الخطاب الإسلامي، حيثُ وقف العالم الإسلامي أمام النَّهضة العلميَّة والفكريَّة الغربيَّة، وشعارات النَّزعة الإنسانيَّة، عاجزًا عن مجاراتها، الأمر الَّذي أدَّى إلى صدمة حضاريَّة قادتْه إلى محاولة استيعاب الفكر الغربي للَّحاق بركب النَّهضة، وقد كانت البداية من رفاعة الطهْطاوي وخير الدين التونسي، اللَّذين عايَنا مظاهر التقدُّم في أوربَّا، ليس على المستوى العلمي والفكري فحسب، بل حتَّى على المستوى الاجتماعي، فجاء خطابُهما صريحًا للدَّعوة إلى اللحاق بركب التقدُّم بالعلم والتقنية على المستوى العلمي، والتحرُّر والعدالة والمساواة وتحرير المرأة على المستوى الاجتماعي، وكذا "مَأْسَسَة" النظام الإداري للحكم وتقنينه على المستوى السياسي، بل كان الطهطاوي أكثر جرْأة في نقل القانون المدني الفرنسي، والدستور الفرنسي، والنشيد القومي الفرنسي إلى العربيَّة والتغنِّي به[24].



لقد تمخَّضتْ هذه الرؤية عن تصوّر لواقع الإنسان المسلم المتخلّف، والذي لا يمكن أن ينقذه من تخلفه هذا إلاَّ اقتفاء أثر الغرب في الأخذ بالعلم والعقلانية، وتجسَّدت هذه النَّظرة في كتابات العديد من الأُدباء والمفكِّرين والعلماء مثل كتابَي الطهْطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، و "مباهج الألباب المصريَّة في مناهج الآداب العصريَّة"، وكتاب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" لخير الدين التونسي، ثمَّ جاءت بعدهما مؤلَّفات عدَّة، مثل: "التَّفسير العلمي للقرآن الكريم" لطنطاوي جوهري، والَّذي حاول فيه تتبُّع منهج التَّفسير العلمي لكلّ آيات القرآن، وكذلك طه حسين في كتابه عن "الشِّعر الجاهلي"، والذي حاول تتبُّعه بالمنهج الجينالوجي.
15:00

خصائص الفكر الإسلامي

يعتبر الفكر الإسلامي فكرًا إنسانيًّا يتَّسم بما يتَّسم به الفكر الإنساني من سمات وخصائص، إلاَّ أنَّ هذا يستند إلى مصادِر ربَّانيَّة، في حين أنَّ غيره يفتقر إلى هذه المصدريَّة، فما الَّذي يميِّز الفكر الإسلامي بربَّانيَّة مصدريْة ولا يُفْقِده صفة الإنسانيَّة:

النّسبيَّة الإسلاميَّة: يعتبر الفكر الإنساني فكرًا نسبيًّا بصفة عامَّة؛ لأنَّه صادر عن الإنسان، وعلْم الإنسان نسبي مهْما كانت دقَّته، فالحقّ المطلق هو ما يختصّ به الله - تعالى -، أمَّا علوم الإنسان فهي حقائق نسبيَّة في تنوّعها وتعدُّدها، فالحقّ واحد مطلق متجاوز للإنسان والتَّاريخ يختصّ به الله تعالى، والحقائق متعدِّدة متنوِّعة نسبيَّة، وهي تجلّيات للحقّ المطْلق، فهي نسبيَّة لأنَّها متلبِّسة بالتَّاريخ (الزَّمان والمكان) وناتجة عن وعْي الإنسان بها، فالنِّسبيَّة في الفكر الإسلامي تتَّصف هي الأخرى بالإسلاميَّة؛ لأنَّها ليستْ نسبيَّة مائعة سائلة تقوم على عقْل الإنسان وحْده، بل ترتكِز على المطلق، فهي تتَّخذ من الله تعالى المبدأ والغاية، وفي هذا المعنى يقول عبدالوهاب المسيري: "ويُمكننا الحديث عن النسبيَّة الإسلاميَّة باعتبارها نسبيَّة تنصرِف إلى خطاب الخالِق، فنحن نؤمِن بأنَّ ثمَّة مطلقات نهائيَّة لا يمكن الجدال بشأْنِها، نؤمن بها بكلّ ما تحوي من عقْل وغيْب، منها ننطلق وإليْها نعود، أمَّا ما عدا ذلك فخاضعٌ للاجتِهاد والحوار"[20]، فالنّسبيَّة الإسلاميَّة تقوم على تداخُل المطلق النّهائي المتمثِّل في مصدرَي الفِكْر الإسلامي، واجتهاد الإنسان في فهم هذين المصدرَين والتَّعامل معهما.



ولقد ظلَّ الفِكْر الغربي فترةً طويلة من الزَّمن يعتقد في مطلقيَّة أحكام العقْل، خاصَّة العلوم التَّجريبيَّة، وأطلق عليها اسم العلوم الدقيقة، إلى أن ظهرت فكْرة النِّسْبيَّة، فقوّضت الفكْر الغربي لينتقل من القول بمطلقيَّة العقل إلى القول بالنسبيَّة في كلّ شيء، وهي ما يعبَّر عنها بالنسبيَّة السَّائلة، الَّتي لا ترتكِز على ثابت.



وقد كان وعْي المسلمين منذ نشأة الفكْر الإسلامي كبيرًا بنسبيَّة المعرفة الإنسانيَّة، حتَّى وهي تتناول الوَحْي المطْلق كموضوعٍ للمعْرفة تسْتقي منه علوم الدّين؛ لذا نَجد دأْب علماء الإسلام يَختمون كلامهم بقول: "والله أعلم"؛ دلالةً على أنَّ ما وصلوا إليه من نتائج إنَّما هو اجتِهادهم النِّسْبي، وليس بأيّ حال مطْلقًا، كما ورد عن الإمام مالك - وهو مَن هو في العلم - قوله: "كلّ يؤخذ من كلامِه ويُرَدّ إلاَّ صاحب هذه الرَّوضة (إشارة إلى النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الَّذي يعتبر قولُه وفعله وتقريره وحيًا)، فهو مطْلق إن صحَّ ثبوته، أمَّا اجتِهادات الإنسان في سائِر العلوم الإسلامية فهي تتَّصف بالنِّسْبية.



التحيُّز: وهو وجه آخر من نسبية الفكر الإنساني، ونعني بالتحيُّز هنا الذَّاتيَّة في الفكْر الإنساني؛ أي: إنَّ الفِكْر الإنساني لا يتَّصف بالموضوعية المطْلقة، بل ينحاز منتجه لا إلى شخصه وهواه، وإنَّما إلى خلفيَّاته الفكريَّة ومشاربه الثَّقافية ونوازعه الدينيَّة، وغيرها من الرَّوافد التي تجعل الفِكْر مشبعًا بتحيُّزات صاحبه؛ إذ ليس هناك حقيقة موضوعيَّة مطلقة، فما من موضوع إلاَّ وتتناوله ذات تصوغه وفق منظورها، كما لا تُوجد ذاتيَّة مطلقة، فالذَّات إنَّما تصوغ فكرَها وفق معْطيات موضوعيَّة صحَّت أو أخطأت.



فالتحيُّز ليس عيبًا في الفكْر الإنساني بل أحد سِماته وخصائصه؛ لذا فالفِكر الإسلامي هو الآخر يتميَّز بهذه الخاصّيَّة، وتظهر من خلال اسمه، فلفظ الإسلامي يبين تحيُّزه لدين معيَّن هو الإسلام، وبالتَّالي لمرجعيَّة معيَّنة ورؤية محدَّدة هي الرّؤية التَّوحيديَّة.



بل إنَّنا في الفكْر الإسلامي ذاته سنجد تحيُّزات عدَّة فقهيَّة عقديَّة سلوكيَّة، كالتحيُّز لمذهب فقهي أو عقدي أو سلوكي، فالجزائر مثلاً تدين بالفقه المالكي، وبالتَّالي خياراتهم الفقهيَّة والتَّعبُّدية متحيّزة للمذهب المالكي.



غير أنَّ التَّحيُّز قد يتحوَّل إلى عيْب في الفكر في حالتَين اثنتين:

1- إذا جاوز التحيُّز حدَّ الحقيقة، فيصبح بذلك تعصُّبًا، فذواتنا بكلّ مكوّناتها الفكريَّة والثَّقافيَّة والنفسيَّة ليستْ مطْلقة؛ بل نسبيَّة، ومقصد الإنسان في حياته إنَّما هو الكدح نحو الحقّ لبلوغه أو الاقتِراب منه، وحين يصبح النّسبي مطلقًا والمطْلق نسبيًّا، يكون التَّحيُّز قد جاوز حدَّ الحقيقة.



فالفِكْر الإسلامي يعترِف بتعدُّد الحقيقة في شتَّى أبعادها، والَّتي هي تجلّيات للحقّ المطْلق، فالفقه الإسلامي عرف مذاهب متعدِّدة، وكذلك الفكر العقدي، وعلوم القرآن والسنَّة، لكن لم يَخرج بهم اختلافهم عن الملَّة لأنَّهم لم يخرجوا عن حدِّ الحقيقة؛ بل إيَّاها كانوا يقصدون.



غير أنَّ التَّاريخ شهد مواقف كثيرة حادتْ بالتحيُّز عن الحقيقة إلى التعصُّب للرَّأي أو الهوى.



2- الاختِراق والتبعيَّة: والوجه الثَّاني من سلبيَّة التَّحيُّز حين تصاب الذَّات بانهزاميَّة أمام آخر، فتقع في تبعيَّة استلابية لفكرِه بكلّ تحيُّزاته، وهو ما عبَّر عنه ابن خلدون قائلاً: "إنَّ المغلوب مولَع بتقْليد الغالِب"، وهو ما أصيبتْ به الحضارة الإسلاميَّة في عصورها المتأخِّرة حينما استفاقت على هوَّة شاسِعة بينها وبين الغرْب، فأضحى بعض علمائها يدعو إلى تقليده في الفكر والسلوك للحاق بركبه، حتَّى أصبح هو معْيار التقدُّم والنموذج الحضاري المرجوّ.



وفي مقابل التبعيَّة الناتجة عن الانهزاميَّة الحضارية للذَّات، يوجد سلبيَّة أُخرى للتحيّز، هي اختراق الهويَّات الأخرى والنَّاجمة عن الاستِعْلاء والاستكبار والنزعة التوسُّعيَّة الاحتِلاليَّة، وهو ما تُمارسه الحضارة الغربيَّة على الشعوب المستضْعفة من هيمنة فكريَّة ومادّيَّة، حيث بهرت العالم بفِكرة التقدُّم كمفهوم مركزي في نهضتِها، وكقانون عامّ لا يمكن لِمن أراد الوصول إلى ما وصلتْ إليه إلاَّ نَهجه، وهو ما يستلزم تفوُّق الغرب وتقدُّمه وإطلاقه، بل ومعياريَّة نموذجه الحضاري والمعرفي المادّي، حيث يصبح الغرب نموذجًا قياسيًّا للبشريَّة جمعاء من خلال هيمنة خبرته الحضاريَّة وتعميم نظريَّاته ومفاهيمه في مختلف العلوم؛ ممَّا يؤدِّي إلى إنكار التَّجارب الإنسانيَّة والحضارية الأخرى، وإسْقاط المثل والقيم والغايات ونفيها خارج إطار العلم والتاريخ[21].
14:59

وسائل المعرفة في الفكر الإسلامي

وسائل المعرفة في الفكر الإسلامي:

إذا نظرْنا في الفكر الإسلامي فسنجد أنَّ المعرفة تنفتح على مجالَين واسعَين، هما عالم الغيب وعالم الشهادة، عكس الفكْر الغربي الَّذي يقتصر على الجانب المادّي من عالم الشهادة، وهو ما بيَّنه تعالى في قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، وبالنَّظر إلى هذَين المجالين المتداخِلين يتوسَّل الفكر الإسلامي إلى المعرفة بثلاث وسائل تتساوى في الأهمّيَّة، وهي: العقل والقلْب والحواسّ.



العقل: اختلف العُلماء والمفكِّرون في تعْريف العقل؛ فمنهم مَن أنكر وجود شيء مستقلّ بهذا الاسم، وجعله هو والعِلم اسمين لمسمّى واحد[17]، ومنهم مَن جعله رديفَ القلب[18]، ومنهم من أسْهب في الحديث عنه بطريقةٍ تبيّن حدوده، وقسَّمه إلى أقسام عدَّة، وبيَّن وظيفة كلّ قسم[19]، غير أنَّنا إذا عُدنا إلى القرآن الكريم فلن نجد كلِمة "عقل" كمصدْر، وإنَّما جاءتْ في صيَغ فعليَّة متعدِّدة، مثل: "تعقلون"، و "يعقلون"، و "عقلوه"، و "يعقلها"، و "نعقل"، وهو ما يدلُّ على أنَّ العقل ليس مصدرًا قائمًا بذاتِه، وإنَّما هو عمليَّة تعقُّل يقوم بها الإنسان؛ ليربط بين الدَّالّ والمدْلول، والأسباب والمسببات، والمقدمات والنتائج، وغيرها من العمليات الوظيفية في الأشياء المجرَّدة منها والمحسوسة للوصول إلى فكرٍ يسير به في حياته، ويسيّر به شؤونه.



فالعقل - إذًا - وسيلة أو آليَّة في إنتاج الفكْر عمومًا، وفي الفكر الإسلامي العقْل وسيلة للتدبُّر في الوحي لاستِخْلاص مقاصده وعلومه، والتَّأمّل في الكون لمعرفة قوانينه ونواميسه، فعمل العقل وفق هذا المنظور يكون في مجْمله في الأمور المجرَّدة.



القلب: لا يقصد بالقلب هنا ذلك العضو الحيّ الذي يقع في الجانب الأيسر من القفص الصَّدري، والَّذي يقوم بضخّ الدَّم في جسم الإنسان، وإنَّما هو تلك اللَّطيفة الربَّانيَّة - حسب تعبير الغزالي أبي حامد - التي يشْعر بها الإنسان، وهو محلّ التصديق والإيمان، وعلى اعتبار أنَّ الفكر الإسلامي ينفتح على عالم الغيب، بل إنَّ اعتبار الوحي والكون كمصدرين له ينبني على التَّصديق بالغيب والإيمان به، وهو توحيد الله باعتباره منزل الوحي وخالق الكون، وذلك لا يكون إلاَّ بالقلب محلّ التَّصديق والإيمان؛ لذا نجد المولى - عزَّ وجلَّ - يُسْبِق لفظ الغيب بالإيمان ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 3]؛ فالقلب - إذًا - هو وسيلة من وسائل الإدراك والمعرفة في الفكر الإسلامي، وهو من الأهمّيَّة بمكان حيثُ لا يمكن استبداله بالعقْل ولا بغيره، فعمل القلْب وفقًا لهذا يكون في الأمور الوجدانيَّة.



الحواس: وهي جمع حاسة، وهي الوسائل التي ندرك بها الأمور المادّيَّة، كالأذن التي تقوم بوظيفة السَّمع، والعين التي تقوم بوظيفة البصَر، والأنف الَّذي يقوم بوظيفة الشَّمّ، وغيرها من الحواسّ التي نتواصل بها مع عالمِنا الخارجي.



وقد بيَّن الموْلى - عزَّ وجلَّ - هذه الوسائل في كتابه قائلاً: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾ [الإسراء: 36]، فالسَّمع والبصر (الحواسّ)، والفؤاد (القلب والعقل)، هي وسائل العلم والمعرفة.
14:58

مصادر الفكر الإسلامي

أوَّلاً: الوحي:

بناءً على ما جاء في مفْهوم الفكْر الإسلامي فإنَّه ينطلق من الإسلام كمرْجع موجَّه، يحكم بكلّيَّات الفكر وجزئيَّاته؛ لذلك فإنَّ الوحي بشقَّيه (الكتاب والسنَّة) يعتبر المصدرَ الرَّئيس للفكر الإسلامي؛ حيثُ يحدّد الرّؤية الكلّيَّة النّهائيَّة للإنسان المسلم، وما يتفرَّع عنها من أبعادٍ ترْبويَّة واجتِماعيَّة وسياسيَّة واقتِصاديَّة وغيرها، وقد أجاب الفِكْر الإسلامي في مختلف عصوره عن إشكالات عدَّة في المجالات المذْكورة، تمثَّلت في جملة العلوم التي ما فتِئَت تتبلْور وتتأصَّل بداية من القرْن الثَّاني للهجرة، كالفقه وعلوم الحديث وعلْم الكلام وغيرها من العلوم.



ثانيًا: الكون: 

غير أنَّ الفكر الإسلامي لا يشمل الإنتاج الَّذي يتناول الإسلام كموْضوع للمعرفة فقط، بل هو كل إنتاج ينطلق من الإسلام كمرجعيَّة تحدّد له رؤيته الكلّيَّة للكون والإنسان والحياة؛ لذلك فالكون هو المصدر الثَّاني للفكر الإسلامي، وقد جاء القرآن الكريم يتحدَّث عن الكون في الكثير من آياتِه، بل إنَّ الآيات التي تحدَّث الله فيها عن الكون أكبر وأكثر من آيات الأحكام.



والكون في الرّؤية الكونيَّة التَّوحيدية يشمل الكون الطبيعي (سنن الآفاق)، وذلك بمعرفة القوانين الكونية الطبيعيَّة في السموات والأرض والحيوان والنبات والإنسان لاستخراج آيات الله فيه، ومعرفة سننها التي تسيِّرها وتسخيرها في إعمار الأرض لتحْقيق خلافة الإنسان.



والكون الإنساني سنن الأنفس، وذلك بدراسة قوانين المجتمعات الإنسانيَّة، وسنن قيام الحضارات وأفولِها، وتدخل فيها الخبرة الإنسانيَّة وما أنتجتْه في التَّاريخ والاجتِماعيَّات والإنسانيَّات بما يتوافق فيها مع الرُّؤية التَّوحيديَّة؛ يقول تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ﴾ [فصلت: 53].



غير أنَّه ينبغي أن نُشير هنا إلى ضرورة التَّفريق بين ما يعتبر مصدرًا في الفِكْر الإسلامي، وما يعتبر رافدًا، فالكون الإنساني يعتبر مصدرًا للفكْر الإسلامي لمعرفة سنن الأنفس (الاجتِماعيَّة والنَّفسيَّة) بما هي قوانين وضعها الله تعالى في الأفراد والأمم والمجتمعات، أمَّا الخبرات الإنسانيَّة وما أنتجتْه من فكرٍ، بغضِّ النَّظر عن اختِلاف مِلَله ومذاهبه، فيعتبر رافدًا من روافد الفِكْر الإسلامي، يُؤخذ منه ويردّ بِما يخدم أهدافه، ويتوافَق مع الرُّؤية التَّوحيديَّة.



وإذا أمعنَّا النَّظر في الفكْر الإسلامي برمَّته بما فيه من علوم إسلاميَّة وآراء فكريَّة وغيرها، فإنَّما نشأت من هذين المصدَرين: الوحي والكوْن.

mardi 17 avril 2012

09:24

تحرير الإنسان

تحرير الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين .
وبعد
لقد كرم الإسلام الإنسان {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 .
وهذا التفضيل عام يشمل كل إنسان مؤمن وغير مؤمن .
ومن ألوان التفضيل أن خيره بين الإيمان والكفر , على أن يتحمل عاقبة اختياره .
فلم يكفِ أن سخر الله له ما في الأرض جميعًا ليحمله بذلك على الإيمان قسرًا , ويجبره على التوحيد جبرًا ؛ بل ترك له الاختيار على الرغم من كل ذلك !
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ... } الكهف29 .
ودعاه الله تعالى لإعمال عقله , وإيقاد فكره :
لعلكم تعقلون , أفلا تذكرون , قل سيروا في الأرض فانظروا , أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها , يفقهون بها .... الخ .
ومن مظاهر هذا التكريم : أن جعل ثوابت الإسلام أقل بكثير من دائرة الاجتهاد والمباحات والتي هي ( دائرة مفتوحة وقابلة لتعدد الأفهام، وتجدد الاجتهادات، ومن شأنها أن تختلف فيها الأقوال، وتتنوع المذاهب. وهذه الدائرة تشمل معظم نصوص الشريعة وأحكامها.
فهي دائرة مرنة منفتحة. وهذامن رحمه الله بعباده، لتتسع شريعته للعقول المتباينة، والمشارب المختلفة، والوجهات المتعددة ) د / القرضاوي .
ومنها : إقامة العدل والميزان حتى لا يظلم الإنسان أخاه الإنسان :
{وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ }الرحمن9 .
لهذا الأمر عاتب الله عز وجل نبيه – صلى الله عليه وسلم – عندما وقف مدافعا عن رجل سرق سيفا واتهم به يهوديا : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }النساء105
وأمر الله النبي بالاستغفار عن ذلك : {وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء106
وجعل ميزان التفاضل بين الناس لا يقوم على ما يمتلكه الإنسان من المادية الزائلة :
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13.
كما عوتب صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه ؛ لأن هناك ميزانا جديدا , ميزان الله , وقيم الله التي يجب أن تستقر في الأرض بين البشر و تقام في واقع الناس .
بل إن الإسلام أمر بالتواضع حتى لا يتطاول أحد على أحد : ( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد ) حديث حسن , خرجه السيوطي - في صحيح الجامع عند الألباني .
وحرر الإسلام العبيد ودعا إلى ذلك بمنح الحوافز , وإجزال الثواب , بإطعام الطعام وعتق الرقاب , حتى قطع دابر العبودية من ديار المسلمين , وكان من قبل يدعو إلى حسن معاملتهم ( الصلاة وما ملكت أيمانكم الصلاة وما ملكت أيمانكم ) . صحيح خرجه السيوطي .

وحرر الإسلام المرأة :

واقرأ إن شئت عن المرأة في الجاهليات القديمة عند الفرس والهنود والإغريق واليهود وعندالعرب قبل الإسلام .
أما في الغرب فإنه كان للمرأة بالفعل قضية ومعاناة ، حيث كانت " في اعتقاد وعقيدة الأوروبيين حتى مئتي سنة مطيّة الشيطان، وهي العقرب الذي لا يتردد قط عن لدغ أي إنسان ، وهي الأفعى التي تنفث السم الزعاف ...
في أوروبا انعقد مؤتمر في فرنسا عام 568م ، أي أيام شباب النبي صلى الله عليه وسلم ، للبحث هل تعدّ المرأة إنساناً أم غير إنسان ؟ وأخيراً قرروا : إنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب !
والقانون الإنجليزي حتى عام 1805 م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته بستة بنسات فقط، حتى الثورة الفرنسية التي أعلنت تحرير الإنسان من العبودية والمهانة لم تشمل المرأة بحنوِّها ، والقاصرون في عرفها : الصبي والمجنون والمرأة ، واستمر ذلك حتى عام 1938 م ، حيث عُدِّ لت هذه النصوص لصالح المرأة إن أصل القضية في الغرب يعود لاحتقار الكنيسة النصرانية للمرأة احتقاراً جعل رجالها يبحثون إذا كان ممكناً أن يكون للمرأة روح ، وهذا ما حصل " في مؤتمر " ماكون Macon " وما شفع بالمرأة آنذاك هو كون مريم أم يسوع امرأة ولا يجوز أن تكون أم يسوع بلا روح "
إن أصل القضية إذاً بدأ من سوء فهم للدين المسيحي من بعض القائمين على الكنيسة ومن هؤلاء القديس بولس الذي قال : إن المرأة خُلقت للرجل، والقديس توما الأكويني الذي ذهب إلى أبعد من ذلك إذ صنّف المرأة في مرتبة بعد العبيد .

إحصائيات غربية حديثة :

نشرت مجلة التايم الأمريكية أن ستة ملايين زوجة في أمريكا يتعرضن لحوادث من جانب الأزواج كل عام، وأنه من ألفين إلى أربعة آلاف امرأة يتعرضن لضرب يؤدي إلى الموت، وأن رجال الشرطة يقضون ثلث وقتهم للرد على مكالمات حوادث العنف المنزلي.انظر دور المرأة المسلمة في المجتمع إعداد لجنة المؤتمر النسائي الأول ص45.
ب- ونشر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 1979م أن 40% من حوادث قتل النساء تحدث بسبب المشكلات الأسرية، وأن 25% من محاولات الانتحار التي تُقْدم عليها الزوجات يسبقها نزاع عائلي. انظر دور المرأة المسلمة في المجتمع ص46.
ج- دراسة أمريكية جرت في عام 1407هـ-1987م أشارت إلى 79% يقومون بضرب النساء وبخاصة إذا كانوا متزوجين بهن.
وكانت الدراسة قد اعتمدت على استفتاء أجراه د / جون بيرير الأستاذ المساعد لعلم النفس في جامعة كارولينا الجنوبية بين عدد من طلبته.
وفي دول أوربا نفس الأمر بلا استثناء .
وإذا كنَّا في لحظة من اللحظات أُعجبنا بامرأة شابة تعمل شرطية على الطريق أو جندية تحمل السلاح ووجدنا في هذا الأمر قوة إرادة وتحدٍّ عند من فعلن هذا ، فإن الأمر خرج عن إطار التسلية عندما أصبحنا نرى امرأة أخرى عجوزاً تبحث في القمامة أو تجوب الشوارع تجر عربتها الثقيلة لتؤمن رغيف خبزها.
أما المرأة في الإسلام فكلما تقدم السن بها زاد احترامها، وعظم حقها، وتنافس أولادها وأقاربها على برها ؛ اعترافا بحقها وما أدته لمجتمعها من تربية الأجيال من النساء والرجال .
وإذا أردنا تحري الدقة والحقيقة فإن بعض المسلمين يظلمون النساء في الميراث , فلا يطبقون نظام الإسلام ولا منطوق القرآن .
والعيب ليس في الشريعة , ولا العلماء , ولا في القانون ؛ ولكن من تغول بعض الرجال على الأقارب من النساء .
ومن هذه المظاهر :
أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل المعجزة الأساسية للنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – معجزة مادية ؛ وكأن البشرية قد بلغت نضجها , وفاءت إلى رشدها فعاملها الله تعالى بهذه المعجزة العقلية .
ولقد عاش المسلمون هذا الواقع وأقره الله بينهم وطبقه النبي فيهم .
قصة ابن سيدنا عمرو بن العاص مع المصري , وكلمات سيدنا عمر , ترن في الآذان , كاننا نسمعها منه الآن : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ) ! !
وهذا أبوذر يرجو من بلال أن يطأ خده بقدمه كنوع من أنواع الاعتذار !
وبلال الحبشي مؤذن الرسول . وكفى بذلك تكرمة .
بل هو الذي صعد يوم الفتح فوق الكعبة ليصدع بكلمة التوحيد فوق رؤوس الأصنام وأهلها , ويصدح بالأذان لأول مرة في أم القرى وربوعها !
والفاروق عمر يقول : سيدنا أعتق سيدنا ( أبو بكر وبلال ) رضي الله عنهم جميعًا .
بل إن أحد العرب المسلمين يتشفع بسيدنا بلال ليخطب له , وكان في خلقه ضعف في الاستقامة , فذهب بلال إلى أهل العروس , وصدقهم في وصف صاحبه . فقالوا نعلم أن خلقه كذا وكذا ولكنا لا نرد صاحب رسول الله !
ولك أن تسأل : كيف أصبحت الحياة في بلادنا مرهونة بالواسطة , وكيف صارت الحياة على أرضنا حبيسة التقرب بالمداهنة لدى أولى الأمر؟ .
وكيف لم يعد هناك نظام يحتكم إليه المواطن في تسيير يومه سوى نظام الفوضى والقرب من المحاسيب؟ .
واسأل كيف ترعرعت بين صفوفنا طبقات الطفيليات وأصبحت تهدد خبزنا وقوت أولادنا؟ .
بل كيف يهدد كل ذلك براعم التقدم و البناء, من الأجيال والأبناء ؟ .
نحن نريد تحرير الإنسان من التغول الاستعماري ومعاونيه من الحكام والسياسيين ومروجي نظامه من الصحفيين والمنتفعين .

إنهم يريدون تعبيد الإنسان , حتى تضيع الأرض والمقدسات ؛ لأن الضعفاء والمنكسرين , لن يحرروا الأرض ولا المقدسات .
وهل ترى هؤلا ء العبيد الدائرين في فلك اليهود , والسائرين خلف سياساتهم , الطاعمين على موائدهم , الذين يمدون أيديهم هناك بالخضوع والتقبيل , ويبسطونها إلينا بالضرب والتنكيل ؟ .
هل في الإمكان القول بأن محاربة شعوبنا حتى لا يقام فيها نظم ديمقراطية , وإذلال أمتنا حتى لا توجد بها مجالس نيابية حقيقية – بأن ذلك يعد عقبة كئودًافي طريق تحرير الشعوب ؟.
أستطيع أن أقول :
إن بناء الإنسان الصالح , هو الهدف الذي به تتحرر الأمة , من الطغاة ومن الاستعمار , وتقام المجالس النيابية النزيهة , والحكومات المستقلة القرار , والتي ستنعم شعوبها بالأمن والاستقرار .
وتلك هي المعركة الحقيقية :معركة بناء الإنسان الصالح .
بل إن نصوص الإسلام جاءت لتحرر الإنسان من نفسه :
من أن يكون أسيرًا لهواه , يأتمر به ويصدر عنه .
يتحرر من عبودية نفسه , فذلك الإنسان الذي ينفق ليقال عنه جواد , أو يعلّم ليقال عنه عالم , أوشجاع ومجاهد , أو ماهر وبارع .
كل هذه صور من صور عبودية النفس , يقف فيها الإنسان أسيرًا حقيرًا في محراب النفس مجانبا لخالقه , عابدا لهواه .
وآخر يعجب بنفسه يظن أنه يملك أسباب النجاح في مجال تخصصه , يستطيع أن يستدعيها في أي وقت , ليفعل بها ما يشاء .
يطربه المدح , ويهز أعطافه الثناء , وتعمل فيه كلمات المدح عملها في ذهابه وإيابه , وحله وترحاله .
كل هؤلاء وأمثالهم يدورون في فلك نفوسهم , عبيدًا لها أسرى في محرابها ؛ وهم لا يملكون إلا ماوهبهم الله من أسباب .
وهذا الصنف يعيش منكرًا لفضل ربه , جاحدا لنعمته , ليس عبدا لله , خالقه ومولاه ؛ بل عبدًا لنفسه أسيرًا لهواه .
ومن صور تحرير الإنسان وتكريمه خطاب الله الخالق العظيم لهذا الإنسان المكرم المدلل :
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ } الانفطار 6 – 8 .
( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) البقرة .
{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) إبراهيم34 .
قال العلماء : آتاه بما ينفعه من سؤله , لأن الإنسان لايعلم عواقب الأمور مما يطلب ويرجو .

وفي الختام كلمة :

إن دين الإسلام يريدأن يعيش الإنسان مكرمًا , محررا لله وحده من عبودية أخيه الإنسان , ومن عبودية نفسه , ومن أسر شهواته .
يعيش شامخًا في هذا الكون الذي وهبه الله له واستخلفه فيه .
يعيش خاضعًا لله وحده , معترفا بفضله , شاكرا لأنعمه .
فينال عز الدنيا ونعيم الآخرة ورضوان من الله أكبر :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) التوبة .

نموذج الاتصال

Nom

E-mail *

Message *

Traduction ترجمة